دروس مستفادة من الصيام.. هذه أبرزها

الجمعة، 08 يونيو 2018 01:32 م
الفقه-من-الصوم


لقد فرض الله تعالى علينا صيام شهر رمضان من كل عام، وأنزل في ذلك خمس آيات متصلة في سورة البقرة، تبيّن حُكمه وأحكامه، وشروطه وآدابه، فما أحسن أن نتفيأ في ظلال هذه الآيات ونتدبرها فنأخذ منها العلم والعمل.

يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]. هذه هي الآية الأولى من الآيات الخمس، وقد اشتملت على: نداء ومنادى، وحُكم ومحكوم به، وتاريخِ تشريع، وغايةٍ لهذا التشريع.

فالنداء ﴿ يَا أَيُّهَا ﴾ وهو أسلوب قولي يستدعي انتباهَ السامع؛ حتى يُقبل على المنادي فيسمع ما يقوله.

والمنادى هو ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فأهل الإيمان هم المقصودون بهذا الحكم، وليس غيرهم ممن ليس مسلمًا، ولو كان عامًا يشملهم لقال: يا أيها الناس؛ لأن الكافر لا يُطلب منه الصيام حتى يُسلِم، ويشهد شهادة الحق.

والنداء بوصف الإيمان حاثٌّ على الامتثال والعمل؛ إذ إن الإيمان يدعو صاحبه إلى القيام بأعمال الإيمان: عملاً بالأمر، وتركًا للنهي، وتلقّي ذلك بالسمع والطاعة. وقد جاء بعد هذا النداء الأمر بعمل خير ألا وهو الصيام، وما على المؤمن إلا امتثال هذا الأمر.

وقد أتى رجلٌ عبدَ الله بن مسعود، فقال اعهد إليّ، فقال: "إذا سمعت الله يقول: ﴿  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه".

وأما الشيء الثاني في الآية فهو الحكم والمحكوم به؛ فالحكم هو الإيجاب، وقد جاء بلفظ: "كتب" الذي هو صيغة من صيغ الوجوب التي تدل على الفرض والإلزام؛ كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ﴾ [البقرة: 178].

وأما المحكوم بوجوبه فهو الصيام الشرعي الذي هو: " الإِمساكُ عن المفطِّرات، بنيَّة التعبُّد لله تعالى؛ مِن طُلوعِ الفجر إلى غُروبِ الشمس".

وأما التاريخ لهذا التشريع الواجب فهو قوله: ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾[البقرة: 183]، فعُلِم منه أن الصيام شريعة واجبة في الأمم قبل هذه الأمة، وليست عليها وحدها. وهذا يبين أن عبادة الصيام عبادة صالحة لكل زمان، ولكل أمة.

وقد ساق الطبري بسنده إلى السدي فقال: " أما الذين من قبلنا: فالنصارى، كتب عليهم رمضان، وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم، ولا ينكحوا النساءَ شهر رمضان. فاشتد على النصارى صيامُ رمَضان، وجعل يُقَلَّبُ عليهم في الشتاء والصيف. فلما رأوا ذلك اجتمعوا فجعلوا صيامًا في الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا: نزيد عشرين يومًا نكفّر بها ما صنعنا! فجعلوا صيامهم خمسين". تحريفًا وتبديلاً لشرع الله تعالى.

وأما الغاية من تشريع الصيام فهي في قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]؛ فالصيام عبادة شُرعت لهدف عظيم يجلب للمسلم السعادة في الدنيا والآخرة عبر بوابة التقوى؛ فإن الصيام لما كان تصبيراً للنفس على اجتناب المفطّرات التي حرمها الله تعالى على الصائم وقت صيامه، وتصبيراً للنفس على القيام بما يصح به الصيام من الطاعات، وتصبيراً للنفس على تحمل المكاره الناتجة عن ثقل الصيام من تعب وجوع وظمأ وكبح عن شهوات النفس، مع مراقبة لله تعالى وإخلاص له في ذلك؛ كان هذا كله من التقوى التي تعني: "ترك ما حرَّم الله، وأداء ما افترض".

وذكرُ هذه الغاية للصيام يبين أن للصيام أهدافًا وحِكمًا عظيمة من تشريعه، فكما أن التقوى هي غايته الأصلية فإن هناك غايات فرعية أخرى أيضًا؛ فالصيام يربي المسلم على مراقبة الله تعالى والإخلاص له، ويدعوه إلى الإيثار والرحمة، ويُقيمه على صراط الخُلق الفاضل، والمعاملة الحسنة، ويربيه على ضبط النفس والسيطرة عليها، وكبح جماحها في شهواتها وغضبها وسوء تعاملها.

عباد الله، الآية الثانية من آيات الصيام: قول الله تعالى: ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 184].

وقد احتوت هذه الآية على خمسة أمور: بيان مدة الصيام، وبيان الأعذار المانعة منه، أو التي يشق معها الصيام، وبيان الحكم في حق من كان فيه عذار من هذه الأعذار، والترغيب في الزيادة على الفدية، والحث على أفضلية الصيام على الفدية، أو مع وجود المشقة المحتملة.

فالأمر الأول: أن الصيام الذي فرضه الله تعالى علينا معشر المسلمين إنما هو أيام قليلة، وليس مدة كبيرة؛ ولذلك ذكر المدة ووصْفها بقوله: ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾ [البقرة: 184] على جمع القلة؛ تشويقًا للصيام، وترغيبًا في الحرص عليه، قال بعض المفسرين: "وإنما عبّر عن رمضان بأيام وهي جمع قلة، ووصف بمعدودات وهي جمع قلة أيضًا؛ تهوينا لأمره على المكلفين، والمعدودات كناية عن القلة؛ لأن الشيء القليل يُعدّ عداً؛ ولذلك يقولون: الكثير لا يُعَد".

والأمر الثاني في الآية: بيان الأعذار المانعة من الصيام، أو التي يشق معها، فقال تعالى عنها: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ ﴾، فذكر تعالى المرض والسفر، فأما المرض الذي يمنع من الصيام فهو الذي يؤدي إلى زيادة الداء، أو تأخير الشفاء، أو يوصل إلى تلف النفس. وليس كل مرض عذراً للفطر، فالمرض اليسير الذي يمكن معه الصوم ولا يوصل إلى نتيجة من النتائج السابقة لا يمنع من الصيام.

وأما السفر فإنه عذر للفطر إذا كان إلى مكان عُدّ في عُرف الناس أنه سفر تقصر فيه الصلاة.

وإن استطاع المسافر الصيام في سفره خاصة إذا كان سفره مريحًا لا مشقة فيه فنفضل له الصيام على الفطر؛ أداء لحق الله، ومسابقة إلى الخير؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له في المستقبل.

وهناك صنف آخر من أصحاب الأعذار ذُكروا في قوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ وهم الذين يتكلفون الصيام ويشق عليهم مشقة غير محتملة؛ كالشيخ الكبير الفاني والعجوز الهرمة، والمريض مرضًا لا يرجى شفاؤه حتى يتمكن من القضاء عند الشفاء. ويلحق بهم المرأة الحامل، أو المرضع، إذا خافتا على نفسيهما أو ولديهما.

والأمر الثالث في الآية: بيان الحكم في حق من كان فيه عذار من هذه الأعذار؛ فأما المريض مرضًا يرجى شفاؤه، والمسافر فإن عليهما القضاء بعد رمضان؛ لقوله تعالى في الآية: ﴿ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة: 184]. فمن أفطر في رمضان لسفر أو مرض شُفي بعده فعليه قضاء ما أفطر من شهر رمضان. ولا يشترط التتابع في القضاء، بل يجوز التتابع والتفريق، كما لا يشترط أن يكون ذلك في شوال، بل يجوز تأخيره ولو إلى شعبان، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان يكون عليّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان). مع أن المبادرة أفضل، خاصة لمن يريد صيام الست من شوال.

ويلحق بالمريض والمسافر في وجوب القضاء: الحامل والمرضع، فإن عليهما القضاء فقط وليس عليهما فدية مع ذلك، على الصحيح.

وأما المريض مرضًا لا يُرجى شفاؤه، والإنسان الكبير في السن فهؤلاء عليهم مع الإفطار إطعام مسكين عن كل يوم أفطروه من رمضان؛ لقوله تعالى في الآية: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾. ومقدار الإطعام: نصف صاع عن كل يوم، ويساوي ذلك كيلو ونصفًا، من غالب الطعام.

وفي قضية الإطعام تنبيهات: أولاً: أنه يجب أن تكون الفدية من الطعام ولا تجزئ من غيره، فلا يصح أن يُعطى المسكين نقوداً إلا إذا اشترى بها طعامًا، ولا تجوز الفدية بملابس أو دواء أو نحو ذلك.

ثانيًا: يجوز الإطعام في رمضان ويجوز بعده. ثالثًا: يجوز أن يُجمع المساكينُ في آخر رمضان وبعده ويُطعَموا عدد ما أفطر المعذور، وكما يجوز جمعهم في وقت واحد يجوز أيضًا تفريقهم، حسب ما يتيسر للمطعم. رابعًا: ولو دعي المسكين إلى البيت أو إلى مطعم فأطعم وجبة كافية، سواء كان ذلك في رمضان أم غيره لكان أفضل.

وأما الأمر الرابع في الآية فهو: الترغيب في الزيادة على الواجب في الفدية، والحث على أفضلية الصيام على الفدية، أو مع وجود المشقة المحتملة. ففي الزيادة على الفدية يقول تعالى: ﴿ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ﴾ يعني: " فمن زاد في قدر الفدية تبرعًا منه فهو خير له". أي: لو أطعم المسكين صاعًا بدل نصف ساعة، أو أعطاه أكثر من وجبة فهو خير. وللحث على أفضلية الصيام على الفدية، أو مع وجود المشقة المحتملة يقول تعالى: ﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي: "وصيامكم خير لكم -مع تحمُّل المشقة- من إعطاء الفدية، إن كنتم تعلمون الفضل العظيم للصوم عند الله تعالى".

اضافة تعليق