قراءة سورة الإخلاص بين ركعات التراويح والصلاة على النبي

الجمعة، 08 يونيو 2018 01:30 م
صلاة التراويح



لقد درَجْنا بأحد المساجد منذ أكثر من خمسين عامًا على قراءة سورة الإخلاص بين كل ركعتين من ركعات التراويح أثناء القيام في شهر رمضان المعظم، وكذلك الصلاة على النبي بين الركعتين الأخريين؛ وذلك من باب الترويح على المصلين، إلا أننا فوجئنا ببعض من يعترضون على هذا العمل، بل ويصفونه بالبدعة.

وإننا لنندهش عندما يصف هؤلاء المعترضون الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أي وقت وبأي كيفية أنها بدعة؛ إذ إنها جزء من التشهد الأخير في صلب الصلاة المكتوبة، فكيف لا تصح بين الركعتين؟ وهذه سورة الإخلاص التي نقرؤها ثلاثًا، والتي أخبر رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم أن الواحدة منها تعدل ثلث القرآن. فما رأيكم، دام فضلكم؟



الجواب : الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام

جاء الشرع الشريف بالأمر بقراءة القرآن الكريم على جهة الإطلاق مِن غير تقييدٍ بوقتٍ دون وقتٍ أو حالٍ دون حالٍ، إلَّا ما استُثنِي مِن ذلك؛ كَحَالِ الجنابة مثلًا، وقد نبَّه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم على عظيم فضل سورة الإخلاص واستحباب قراءتها ليلًا بقوله لأصحابه رضي الله عنهم: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟» قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» رواه مسلمٌ عن أبي الدرداء رضي الله عنه، والبخاريُّ بنحوه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما، وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلاَتِهِ فَيَخْتِمُ بِـقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، فَقَالَ: «سَلُوهُ: لأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ»، فسألوه، فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللهَ يُحِبُّهُ» متفقٌ عليه.

كما أن الصلاةَ والسلامَ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أفضل الأعمال قبولًا عند الله تعالى، كما أنها تفتح للأعمال أبواب القبول؛ فهي مقبولةٌ أبدًا، وكما أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم هو شفيعُ الخلق فالصلاة عليه شفيع الأعمال، وقد أمر الله تعالى بها أمرًا مُطْلَقًا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]، والأمر المُطْلَق يقتضي عموم الأمكنة والأزمنة والأشخاص والأحوال، فمَن ادَّعى بِلَا دليلٍ أنها مُحَرَّمةٌ في وقتٍ مِن الأوقات فقد ضَيَّقَ ما وَسَّعَهُ اللهُ تعالى؛ لأنه قَيَّدَ المُطْلَق وخَصَّص العامَّ بلا دليل، وهذا في نفسه نوعٌ من أنواع البدعة المذمومة.

وبِناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فقراءةُ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ثلاث مرات، والصلاةُ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونحو ذلك مِن الذِّكر أو الثناء أو الدعاء، بين ركعات القيام، هي أمورٌ مشروعةٌ لا حرج فيها، بل هي مُستَحَبَّةٌ يُثَابُ فاعِلُها، ويكون مُتَّبِعًا لِسُنَّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفِعلِها، وقد درج عليها المسلمون سلفًا وخلفًا عبر القرون من غير نكير، فإنكارها ضرب من التنطع الذي لا يحبه الله ولا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، بل ذلك بدعة منكرة، ولا يجوز الالتفات إلى مثل هذه الآراء المتشددة التي تضيق على الأمة سعة شريعتها وتتهم سوادها الأعظم بالضلال والبدعة.

والله سبحانه وتعالى أعلم.

اضافة تعليق