في العشر الأواخر.. أيها المسلمون أدركوا رمضان

الجمعة، 08 يونيو 2018 12:57 م
وها هو رمضان يجري

طاعة الله شرف لا يشعر به إلا من وُفق إليها وذاق حلاوتها، والتعرض لنفحات أيامه ولياليه المباركة نعمةٌ ربانية لا يقدرها إلا من استشعر تَفلُّتها من بين يديه كانسلال الماء من قبضةٍ أَحْكَمها؛ فيسابق في نيل أقصى خيرها قبل نفادها، ويعوض ما فاته منها قبل تسللها. وها هو شهر الرحمة والمغفرة قد أوشك على الانتهاء، ولكنه يأبى أن يغادر ساحات العابدين إلا بمزيد من الطاعات المضاعفة والمَكْرمات المباركة.

 وذلك في العشر الأخيرة منه، فهي تحمل بين جنباتها ليلةً أفضل من عُمر المُعمّر في هذه الحياة. جاء في الحديث: "إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلاَّ مَحْرُومٌ". (رواه ابن ماجة). إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليلة) بالتنكير، وبيانُ أن من فاتته (فقد حرم الخير كله) يدفع المسلم الحريص إلى قمة الأداء المستمر الحذر الذي يرجو صاحبه رحمة الله ويخشى فواتها؛ ويبعث في النفس روحًا يقظة، وقلبًا حيًا، وإرادة فتية، وعزيمة مضّاءة، لا تعرف القعود والتخلف ولا الراحة والاستكانة حتى تفوز بالفرصة الأخيرة، وتنال وسام شرف الطاعة في هذه العشر الأواخر التي تهتف بالجميع: (يا باغي الخير أقبل) فيلتقطها السابق في الخيرات والطاعات، ليرتقي في المنازل والدرجات، ويتطلع إليها المقتصد في العبادات ليعوض ما فاته من خيرات ونفحات، وينتهزها الظالم لنفسه في طاعة الله ليغسل درن الأوزار والآثام، ولينال المغفرة والرضوان.

ولقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه العشر هَديٌ فريد، يُلقي بظلال الهيبة عليها، ويرفع من قدرها في قلوب المتأهبين لنيل خيرها، ويعلي منزلتها في عين المخلصين. وفي هذا المقال نحاول أن نتعرف على بعض من هذا الهدي النبوي في الاستفادة من هذه العشر الأواخر؛ وذلك حتى نتعلم كيفية انتهاز الفرص الأخيرة قبل انقضائها، فنقي أنفسنا من لوعة الحرمان وندم الفوتان.

• جاء في الحديث: "كان صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره" (رواه مسلم). الاجتهاد: هو بذل الوسع، وإفراغ الطاقة، مع الشعور بالجَهد والتعب. وأقرب مثال لذلك: ليلة طويلة لم تنم فيها إلا ساعة أو ساعتين لإنجاز مهمة اقترب وقتها؟ كيف تجد فيها طاقتك وهمتك؟ كيف يكون شعورك وعزيمتك؟ كيف يكون تركيزك ويقظتك؟ كيف استشعرت حلاوة إنجاز المهمة رغم سهر الليالي وتعب الأبدان؟ كم مرة قررت بذل هذا الجهد المسْتَعذَب لقضاء حاجات الدنيا وتكاليفها؟ إن كنت قد فعلتها بدافع المهمة الدنيوية؛ فمن الممكن أن تفعلها لله -ولو مرة في العام- بدافع المهمة الروحانية. فمن فاتته هذه الفرصة، فذاك هو الحرمان الكبير والخسران المبين.

• من أقواله صلى الله عليه وسلم عن (ليلة القدر): "فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر" (رواه البخاري). التحري: هو الحرص على طلب الشيء بشغف، والدقة في تحديده وصولًا إليه. وأقرب مثال لذلك: انتظارك عودة حبيب عزيز قادم بعد طول غياب، كيف يكون شوقك لاستقباله؟ وكيف يكون استعدادك للقائه؟ وأين تجد قلبك وعقلك كلما اقترب موعد قدومه وإطلاله؟ استشعارك لهذه الحالة العاطفية يجعلك على أهبة الاستعداد لاستقبال مبعوث الله إليك في العشر الأواخر. فمن فات قلبه فرصة الترقب والشوق لذلك، فذاك هو الحرمان الكبير، والخسران المبين.

• جاء في الحديث: "كان صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله" (رواه البخاري). الاعتكاف: هو حبس النفس على عبادة الله والتفرغ لذكره، ولو لساعة، بنية التقرب إلى الله في بيت من بيوته. كم مرة طال جلوسك ومضت ساعاتك مع أجهزة التواصل وشبكات التخاطب حتى ربما انشغلت عن بعض الواجبات؟ هل يمكن أن تتواصل مع خالقك ورازقك بجسدك وعقلك، وقلبك وروحك، فتنشغل بذكره وعبادته، وتنقطع لطاعته -ولو لسويعات - في رحاب بيت من بيوته؟. فمن تعلل بالوقت والمكان، فقد فاتته الفرصة، ووقع في الحرمان الكبير والخسران المبين.

• جاء في الحديث: "كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر أحيا ليله وأيقظ أهله" (رواه مسلم). كم مرة خرجت مع أهلك وأولادك في نزهة ترفيهية؟ كم مرة استمتعت معهم بوجبة غذاء أو عشاء؟ هل طرأ على فكرك يومًا أن تقوم معهم برحلة عائلية إيمانية إلى بيوت من بيوت الله؟ فتقدم لهم من مأدبة القرآن والقيام وبخاصة في شهر رمضان؟ من لم يشعر بسعادة صحبة العائلة في الرحلة الإيمانية -ولو لليلة واحدة- فقد فاتته الفرصة، وهذا هو الحرمان الكبير والخسران المبين.

• كان من دعائه صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" (رواه أحمد). العفو: هو الصفح عن الإساءة والتجاوز عن العقوبة. العَفُو اسم من أسماء الله، والعَفْو من أحب الصفات إليه. ليس من البشر أحد لا يخطئ أو يذنب، فاستحضر ذنوبك وخطاياك، وحُطّ بنفسك خاشعًا ذليلاً على باب العَفُو وأنت تردد هذا الدعاء، واعلم أن الفائز -حقاً - هو من حصل على العفو من الكريم، وأن المحروم –حقاً- هو من أغرته الدنيا بشهواتها ونزواتها عن حلاوة التضرع والوقوف بين يدي العفو؛ فحالت بينه وبين رحاب الله الواسعة في أوقات السحر، ونزعته من بين صحبة القائمين والقانتين والمستغفرين بالأسحار. وهذا هو الحرمان الكبير والخسران المبين.

لا زال هذا الشهر الكريم تحتفي الملائكة بأيامه ولياليه، وتشهد تنافس العابدين في الخيرات فيه، وتباهي بجد المجتهدين في أوقات السحر والخلوات، فلا تكن ممن حط رحاله قبل ارتحال الشهر الكريم، ولا تسمح لغفلة أو كسل أو عرض من الدنيا قليل أن يحول بينك وبين نداءات الملائكة وتنزل الروح جبريل. جاء في الحديث: ((.. وَيُنَادِي فِيهِ مَلَكٌ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَبْشِرْ يَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ حَتَّى يَنْقَضِيَ رَمَضَانُ)) (رواه أحمد).

اضافة تعليق