العباس.. أسهر أنينه في الأسر النبي.. هذه قصة فدائه

الجمعة، 08 يونيو 2018 11:48 ص
العباس بن عبدالمطلب


العباس بن عبدالمطلب.. هو أحد أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذين مدَحهم الله تعالى في كتابه العزيز قائلًا: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 100].

النسب:
هو: العباس بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف بن قصي، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كنية العباس: أبو الفضل.

صفات العباس الجسمية:
كان العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه، جميلًا، أبيضَ، وكان من أطول الرجال، وأحسنهم صورةً، وأبهاهم.

ميلاد العباس بن عبدالمطلب:
وُلِدَ العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه، قبل عام الفيل بثلاث سنين، وكان أكبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين.

أولاد العباس:
كان للعباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه من الولد: الفضل، وكان أكبر ولده، وبه كان يُكنَّى، وعبدالله (وهو الإمام الحبر)، وعبيدالله، وعبدالرحمن، وقثم، ومعبد، وأم حبيبة، وأُمُّهم جميعًا أم الفضل، وهي لبابة الكبرى بنت الحارث، وهي أخت ميمونة بنت الحارث زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، كان للعباس أيضًا من الولد من غير أم الفضل كثير، وتمام، وصفية، وأميمة، وأُمُّهم أُمُّ ولدٍ - (أي جارية تباع وتشترى) - والحارث، وأمه حجيلة بنت جندب بن الربيع، فكان للعباس من الولد عشرة ذكور، سوى الإناث.

إسلام العباس:
أسلم العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه قبل فتح خيبر، وكان يكتُم إسلامه، ثم أظهر إسلامه يوم فتح مكة.

هجرة العباس:
جاء العباس بن عبدالمطلب مهاجرًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبيل فتح مكة.

منزلة العباس في الجاهلية عند أهل مكة:
كان العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه في الجاهلية رئيسًا في قريش، وإليه كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية في الجاهلية، فأما السقاية فكان هو المسؤول عن سِقاية الحجاج والمعتمرين لبيت الله الحرام، وأما العمارة فإنه كان لا يدع أحدًا يسب في المسجد الحرام، ولا يقول فيه هجرًا؛ أي: كلامًا قبيحًا، يَحمِلُهم على عمارته في الخير، لا يستطيعون لذلك امتناعًا؛ لأن أشراف قريش قد اجتمعوا وتعاقدوا على ذلك، فكانوا له أعوانًا عليه، وسلموا ذلك إليه.

حضور العباس قبل إسلامه بيعة العقبة الثانية لمناصرة النبي صلى الله عليه وسلم:
كان العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه أنصرَ الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أبي طالب، وحضر مع النبي صلى الله عليه وسلم العقبة الثانية يشترط له على الأنصار، وكان على دين قومه يومئذ.

قال كعب بن مالك: اجتمعنا في شِعب أبي طالب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جاءنا ومعه عمُّه العباس بن عبدالمطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحبَّ أن يَحضُرَ أمر ابن أخيه ويتوثَّق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبدالمطلب، فقال: يا معشر الخزرج، إن محمدًا منا حيث قد علمتُم، وقد منعناه مِن قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزٍّ من قومه ومَنعةٍ في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالَفه، فأنتم وما تحمَّلتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مُسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدَعوه، فإنه في عزٍّ ومَنعة مِن قومه وبلده، قال: فقلنا له: قد سمِعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخُذ لنفسك ولربِّك ما أحببتَ.

العباس أسيرًا في غزوة بدر:
قال عبدالله بن عباس: كان الذي أسر العباس أبو اليسر: كعب بن عمرو أخو بني سلمة، وكان أبو اليسر رجلًا ضعيف الجسم، وكان العباس رجلًا جسيمًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي اليسر: كيف أسرتَ العباس يا أبا اليسر؟ فقال: يا رسول الله، لقد أعانني عليه رجلٌ ما رأيتُه قبلُ، هيئتُه كذا وهيئته كذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد أعانك عليه مَلكٌ كريم)).
قال يزيد بن الأصم: لَمَّا كانت أسارى بدر، كان فيهم العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسهر النبي صلى الله عليه وسلم ليلته، فقال له بعض أصحابه: ما أسهرك يا نبي الله؟ فقال: ((أنينُ العباس))، فقام رجل، فأرخى مِن وثاقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما لي لا أسمعُ أنينَ العباس؟))، فقال رجل من القوم: إني أرخيتُ مِن وثاقه شيئًا، قال: ((فافعَل ذلك بالأسارى كلِّهم)).

معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم مع العباس:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبدالمطلب حين انتُهِي به إلى المدينة - (وذلك بعد الرجوع من غزوة بدر) -: ((يا عباس، افدِ نفسك وابن أخيك عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، وحليفك عتبة بن عمرو بن جحدم أخا بني الحارث بن فهر، فإنك ذو مالٍ))، قال: يا رسول الله، إني كنت مسلمًا ولكن القوم استكرهوني، قال: ((الله أعلم بإسلامك، إن يك ما تذكر حقًّا، فالله يَجزيك به، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا، فافدِ نفسَك))، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ منه عشرين أُوقيةً من ذهبٍ، فقال العباس: يا رسول الله احسِبها لي مِن فداي، قال: ((لا، ذاك شيء أعطاناه الله منك))، قال: فإنه ليس لي مال، قال: ((فأين المال الذي وضعتَ بمكة حين خرجتَ عند أمِّ الفضل بنت الحارث ليس معكما أحد، ثم قلت لها: إن أصبتُ في سفري هذا، فللفضل كذا وكذا، ولعبدالله كذا وكذا؟))، قال: والذي بعثك بالحق، ما علِم بهذا أحدٌ غيري وغيرها، وإني لأعلم أنك رسول الله، ففدى العباس نفسه وابن أخيه وحليفه.

جهاد العباس:
شهِد العباس بن عبدالمطلب فتح مكة، وحُنينًا والطائف وتبوك.

عِلم العباس:
روى العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه عدة أحاديثَ؛ منها: خمسة وثلاثون في مسند بَقِي بن مخلد، وفي البخاري، ومسلم حديث، وفي البخاري حديث، وفي مسلم ثلاثة أحاديث.
وروى عن العباس: ابناه عبدالله وكثير، والأحنف بن قيس، وعبدالله بن الحارث بن نوفل، وجابر بن عبدالله، وأم كلثوم بنت العباس، وعبدالله بن عميرة، وعامر بن سعد، وإسحاق بن عبدالله بن نوفل، ومالك بن أوس بن الحدثان، ونافع بن جبير بن مطعم، وابنه عبيدالله بن العباس، وآخرون.

تكريم الصحابة للعباس:
(1) كان العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه لم يمر بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولا بعثمان بن عفان رضي الله عنه - وهما راكبان - إلا نزَلا حتى يجوز العباس إجلالًا له، ويقولان: عم النبي صلى الله عليه وسلم.

(2) روى أحمد عن عبيدالله بن عباس بن عبدالمطلب، قال: كان للعباس ميزاب على طريق عمر بن الخطاب، فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة، وقد كان ذُبِحَ للعباس فَرخان، فلمَّا وافى المِيزاب، صُبَّ ماءٌ بدم الفرخين، فأصاب عمر وفيه دمُ الفرخين، فأمَر عمر بقلعه، ثم رجع عمر، فطرَح ثيابه، ولبس ثيابًا غيرَ ثيابه، ثم جاء فصلَّى بالناس، فأتاه العباس، فقال: "والله إنه للموضع الذي وضَعه النبي صلى الله عليه وسلم"، فقال عمر للعباس: وأنا أَعزِمُ عليك لَمَّا صعِدتَ على ظهري حتى تضَعَه في الموضع الذي وضَعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعَل ذلك العباس رضي الله عنه؛ (حديث حسن).

(3) قال محمد بن شهاب الزهري: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفون للعباس رضي الله عنه فضلَه، ويقدمونه ويشاورونه ويأخذون برأيه.

التوسل بدعاء العباس:
روى البخاري عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحَطوا استسقى بالعباس بن عبدالمطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسَّل إليك بنبيِّنا فتَسقينا، وإنا نتوسَّل إليك بعم نبيِّنا فاسْقنا، قال: فيُسقون.

صفة دعاء العباس عند الاستسقاء:
قال العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنبٍ، ولم يُكشف إلا بتوبةٍ، وقد توجَّه القوم بي إليك لمكاني مِن نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة، فاسْقِنا الغيثَ، فأرخَت السماءُ مثلَ الجبال حتى أخصَبت الأرض وعاش الناس، وكان ذلك عام الرمادة.

قبس من كلام العباس:
روى أبو نعيم عن عامر الشعبي عن ابن عباس، قال: قال لي أبي: "أي بني، إني أرى أمير المؤمنين يدعوك ويُقرِّبك ويَستشيرك مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحفَظ عني ثلاثَ خصال: اتَّق الله، لا يُجرِّبَنَّ عليك كذبةً، ولا تُفشِيَنَّ له سرًّا، ولا تَغتابنَّ عنده أحدًا"؛ قال عامر: فقلتُ لابن عباس: كلُّ واحدة خير من ألف، قال: كل واحدة خير من عشرة آلاف درهم".

جنازة العباس:
قالت عائشة بنت سعد بن أبي وقاص: جاءنا رسول عثمان بن عفان رحمه الله - ونحن بقصرنا على عشرة أميال من المدينة - أن العباس قد توفِّي، فنزَل أبي ونزل سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ونزل أبو هريرة، قالت عائشة: فجاءنا أبي بعد ذلك بيوم فقال: ما قدرنا على أن نَدْنُوَ من سريره من كثرة الناس، غُلِبْنا عليه، ولقد كنتُ أُحب حملَه.
حضر عثمان بن عفان غسلَ العباس، وغسله: علي، وابن عباس، وأخواه: قثم، وعبيدالله.

توفِّي العباس بن عبدالمطلب يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة خلَت من رجب سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان بن عفان، وهو ابن ثمان وثمانين سنةً، وصلَّى عليه عثمان بن عفان، ودُفِن بالبقيع في مقبرة بني هاشم.

اضافة تعليق