فتح مكة.. "جاء الحق وزهق الباطل"

الخميس، 07 يونيو 2018 02:44 م
555


في اليوم العاشر من شهر رمضان في السنة الثامنة من الهجرة، تحرّك عشرة آلاف صحابي تحت قيادة النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة وهم صائمون منطلقين إلى مكة.


سبب ذلك أن قريش انتهكت الهدنة التي كانت بينها وبين المسلمين، وذلك بإعانتها لحلفائها من بني الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة (تحديداً بطن منهم يُقال لهم "بنو نفاثة") في الإغارة على قبيلة خزاعة، الذين هم حلفاءُ المسلمين، فنقضت بذلك عهدَها مع المسلمين الذي سمّي بصلح الحديبية.

ونتيجة لذلك الغدر والنقض في العهد، خرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين من خزاعة حتى قدموا على النبي في المدينة المنورة، وأخبروه بما كان من بني الدئل بن بكر، وبمن أصيب منهم، وبمناصرة قريش لبني الدئل بن بكر عليهم.

ووقف عمرو بن سالم على الرسول وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس فقال:
يـا رب إنـي نـاشـدٌ مـحمدًا            حلف أبينا وأبيه الأتـلدا
قـد كنتم وُلدًا، وكنا والدً              ثُمت أسلـمنـا فلم ننزع يداً
فانصر -هداك الله- نصرًا أعتداً            وادع عباد الله يأتوا مـدداً
فـيهـم رسـول الله قـد تـجردا           إن سيم خسفاً وجهه تـربدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدًا         إن قريشًا أخلفوك الموعدا
ونـقضـوا ميـثاقك المـؤكدا            وجـعلوا لي في كَدَاءِ رُصَّداً
وزعـمـوا أن لست أدعو أحداً         وهـــم أذل وأقـــل عدداً
هم بيـتـونـا بالوتير هجّداً             وقـتلـونا ركَّـعـاً وسُـجَّداً

فقال الرسول: "نُصرت يا عمرو بن سالم"، ولما عرض السحاب من السماء قال: "إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب"، وبنو كعب هم خزاعة.

وجاء في رواية: أن الرسول بعد أن سمع وتأكد من الخبر أرسل إلى قريش فقال لهم: "أما بعد، فإنكم إن تبرؤوا من حلف بني بكر، أتُدوا خزاعة، (ادفعوا الدية لهم) وإلا أوذنكم بحرب".

فقال قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف صهر معاوية بن أبي سفيان: "إن بني بكر قوم مشائيم، فلا ندى ما قتلوا لنا سبد، ولا لبد (السبد: الشعر، واللبد: الصوف، يعني إن فعلنا ذلك لم يبق لنا شيء)، ولا نبرأ من حلفهم، فلم يبق على ديننا أحد غيرهم، ولكن نؤذنه بحرب".

ولم يكن من بني بكر بن عبد مناة محالفًا لقريش على دينهم إلا بنو الدئل بن بكر. أما بنو ليث بن بكر وبنو ضمرة بن بكر فكانوا من المسلمين وفي جيش الفتح مع الرسول.

أحست قريش بغدرها، وخافت وشعرت بعواقبه الوخيمة، فعقدت مجلسًا استشاريًا، وقررت أن تبعث قائدها أبا سفيان ممثلاً لها، ليقوم بتجديد الصلح. وقد أخبر الرسولُ أصحابَه بما ستفعله قريش إزاء غدرتهم، قال: "كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العقد، ويزيد في المدة".

ثم خرج أبو سفيان حتى أتى الرسولَ فكلمه، فلم يرد عليه شيئاً، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم الرسولَ، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله، فو الله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به، ثم جاء فدخل على علي بن أبي طالب، وعنده فاطمة، والحسن غلام يدب بين يديهما، فقال: "يا علي، إنك أمس القوم بي رحمًا، وإني قد جئت في حاجة، فلا أرجعن كما جئت خائبًا، اشفع لي إلى محمد، فقال: ويحك يا أبا سفيان، لقد عزم رسول الله على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت أبو سفيان إلى فاطمة، فقال: هل لك أن تأمري ابنك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟، قالت: والله ما يبلغ ابني ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد على رسول، فقال لعلي بن أبي طالب: يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد اشتدت علي، فانصحني، قال: والله ما أعلم لك شيئًا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيًا عني شيئًا؟، قال: لا والله ما أظنه، ولكني لم أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس"، ثم ركب بعيره وانطلق.

ولما قدم أبو سفيان على قريش قالوا: ما وراءك؟، قال: جئت محمدًا فكلمته، فوالله ما رد علي شيًئً، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرًا، ثم جئت عمر بن الخطاب، فوجدته أدنى العدو، ثم جئت عليًا فوجدته ألين القوم، قد أشار علي بشيء صنعته، فو الله ما أدري هل يغني عني شيئًا أم لا؟، قالوا: وبم أمرك؟، قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمدًا؟، قال: لا، قالوا: ويلك، إن زاد الرجل على أن لعب بك، قال: لا والله ما وجدت غير ذلك.

جهز النبي جيشًا قوامه عشرة آلاف مقاتل لفتح مكة، وخرج في العاشر من رمضان في العام الثامن للهجرة، واستخلف على المدينة أبا رهم كلثومَ بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري الكناني، فسار هو ومن معه إلى مكة يصوم ويصومون، فلما وصل الجيش منطقة الكديد (الماء الذي بين قديد وعسفان) أفطر وأفطر الناس معه، وفي منطقة الجحفة لقيه عمُّه العباسُ بن عبد المطلب وقد خرج مهاجرًا بعياله، فسُرَّ الرسول.

وخرج أبو سفيان وعبد الله بن أمية، فلقيا الرسول بثنية العقاب فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخولَ عليه، فكلمته أمُّ سلمة فقالت: يا رسول الله ابن عمك، وابن عمتك وصهرك، فقال: لا حاجة لي فيهما؛ أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال، فلما خرج الخبر إليهما بذلك -ومع أبي سفيان بن الحارث ابنٌ له- فقال: والله ليأذنن رسولُ الله أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهب في الأرض حتى نموت عطشًا أو جوعًا، فلما بلغ ذلك الرسولَ رقَّ لهما، فدخلا عليه، فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره عما كان مضى فيه.

لـعـمـرك إنـي يـوم أحـمـل رايـة         لتغـلب خيل اللات خـيـل مـحـمـد
لكـالمـدلج الـحيران أظـلم ليـله         فهـذا أوان الحـق أهـدي وأهتدي
فـقـل لثقيف لا أريـد قـتالـكم           وقـل لثقيف تلك عنـدي فأوعدي
هـدانـي هـادٍ غـيـر نـفسي ودلـني             إلـى اللـه مـن طـرَّدت كل مطـرد
أفـر سـريعًا جـاهـدًا عـن مـحـمـد              وأدعـى وإن لـم أنـتـسب لمحـمد
هـمُ عـصـبـة مـن لم يـقل بهـواهم             وإن كـان ذا رأي يُـلَـمْ ويفـنّـد
أريــد لأرضـيـهـم ولـسـت بـلاقــط              مع القوم ما لم أهد في كل مقعد
فما كنت في الجيش الذي نال عامراً        ومـا كـان عن غير لساني ولا يدي
قــبـائـل جـاءت مـن بـلاد بعـيدة              تـوابع جاءت مـن سـهـام وسـردد
وإن الـــذي أخــرجـتـمُ وشـتـمتمُ         سـيـسـعى لكم امـرؤ غيـر مقـدد

وقد أسلم أبو سفيان، حتى إذا جاء قريس صاح بأعلى صوته‏:‏ "يا معشر قريش، هذا محمد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد"‏.‏

ودخل النبي مكة سلمًا بدون قتال، إلا ما كان من جهة خالد بن الوليد، إذ حاول بعض رجال قريش بقيادة عكرمة بن أبي جهل التصدي للمسلمين، فقاتلهم خالد وقتل منهم اثني عشر رجلاً، وفر الباقون منهم، وقُتل من المسلمين رجلان اثنان.

ولما نزل الرسول بمكة واطمأن الناس، جاءَ الكعبة فطاف بها، وجعل يحطم الأصنام التي كانت حولها بقوس كان معه، ويقول: "جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا"، و"جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ"، ورأى في الكعبة الأصنام فأمر بها فكسرت، ولما حانت الصلاة، أمر بلال بن رباح أن يصعد فيؤذن من على الكعبة، فصعد بلالٌ وأذن.

كان من نتائج فتح مكة اعتناق كثير من أهلها دين الإسلام، ومنهم إلى جانب سيد قريش وكنانة أبو سفيان بن حرب، زوجته هند بنت عتبة، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وأبو قحافة والد أبي بكر الصديق، وغيرهم.

اضافة تعليق