علامات تكشف لك نسمات ليلة القدر

الخميس، 07 يونيو 2018 01:23 م
تعرف فضلها وتمسك بنفحاتها


 

ليلة القدر هي ليلة عظيمة، أنزل الله عز وجل سورة بشأنها وهي سورة القدر، لذا حثنا رسولنا صلى الله عليه وسلم على إحياء الليالي العشر الأخيرة من رمضان، لندرك تلك الليلة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها.

وسميت ليلة القدر بذلك، لعظيم قدرها وشرفها، وجلالة مكانتها عند الله عز وجل "لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر، بواسطة ملك ذي قدر، على نبي ذي قدر، وعلى أمة ذات قدر"، فأصبح للأمة شأن ومكانة ورفعة بنزول القرآن، فتأتي ليلة القدر في كل عام لتذكر الأمة أنها إذا أرادت أن يكون لها شأن ومكانة ورفعة عليها أن تعود لكتاب ربها وتتخذه منهاجا، وأن تعظم حملة القرآن فهم أشراف الأمة، "أشراف أمتي حملة القرآن"، وقال الخليل بن أحمد: إنه من الضيق أي هي ليلة تضيق فيها الأرض عن الملائكة الذين ينزلون، ويشهد له قوله تعالى: "وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ".

وقال ابن قتيبة: إن القدر بمعنى القَدَر؛ أي  يقدر فيها أحكام تلك السنة، ومن فضائل ليلة القدر:

1 - نزول القرآن الكريم فيها.

2 - أنها خيرٌ من ألف شهر، قال تعالى "لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ"، وقال مجاهد: عملها وصيامها وقيامها خيرٌ من ألف شهر.

3 - نزول الملائكة والروح فيها: قال تعالى "تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ"، قال ابن كثير: أي: يكثر تنزُّل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة يتنزلون مع تنزّل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحِلَقِ الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدقٍ تعظيما له، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى".

4 - أنها سلام إلى مطلع الفجر: قال تعالى: "سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ"، عن مجاهد في قوله: "سَلامٌ هِيَ"، قال: سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا أو يعمل فيها أذى. قال ابن الجوزي: وفي معنى السلام قولان: أحدهما: أنه لا يحدث فيها داء ولا يُرسَل فيها شيطان، قاله مجاهد، والثاني: أن معنى السلام: الخير والبركة، قاله قتادة، وكان بعض العلماء يقول: الوقف على "سَلامٌ"، على معنى تنزُّل الملائكة بالسلام.

5 - من قامها إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله قال: "ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه". قال النووي: معنى (إيمانا): تصديقا بأنّه حق، مقتصد فضيلته، ومعنى (احتسابا): أن يريد الله تعالى وحده، لا يقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص، والمراد بالقيام: صلاة التراويح، واتفق العلماء على استحبابها.

 جاء في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُرُوا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرَّها في السبع الأواخر)).

 وفي صحيح مسلم عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي)).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في شهر رمضان على طلب ليلة القدر، وأنه اعتكف مرة العشر الأوائل منه، ثم طلبها فاعتكف بعد ذلك العشر الأوسط في طلبها، وأن ذلك تكرر منه غير مرة، ثم استقر أمره على اعتكاف العشر الأواخر في طلبها، وأمر بطلبها فيه.

ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان)).

وفي رواية للبخاري: ((في الوتر من العشر الأواخر من رمضان)).

وله من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((التمسوها في العشر الأواخر من رمضان)).

ولمسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((التمسوها في العشر الغوابر)).

والأحاديث في المعنى كثيرة، وكان يأمر بالتماسها في أوتار العشر الأواخر؛ ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى)).

وفي رواية له: ((هي في العشر في سبع يمضين أو سبع يبقين)).

وخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي من حديث أبي بكرة قال: ما أنا بملتمسها لشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في العشر الأواخر؛ فإني سمعته يقول: ((التمسوها في تسع يبقين أو سبع يبقين أو خمس يبقين أو ثلاث يبقين أو آخر ليلة)).

وكان أبو بكرة يصلي في العشرين من رمضان كصلاته في سائر السنة، فإذا دخل العشر اجتهد، ثم بعد ذلك أمر بطلبها في السبع الأواخر.

وفي المسند وكتاب النسائي عن أبي ذر قال: ((كنت أسأل الناس عنها -يعني ليلة القدر- فقلت: يا رسول الله أخبرني عن ليلة القدر؟ أفي رمضان هي أو في غيره؟ قال: بل هي في رمضان. قلت: تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبضوا رفعت أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: بل هي إلى يوم القيامة. قلت: في أي رمضان هي؟ قال: التمسوها في العشر الأول والعشر الأواخر. قلت: في أي العشرين هي؟ قال: في العشر الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها، ثم حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اهتبلت غفلته فقلت: يا رسول الله أقسمت بحقي لما أخبرتني في أي العشر هي؟ فغضب علي غضبا لم يغضب مثله منذ صحبته، وقال: التمسوها في السبع الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها)). وخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم. وفي رواية لهما أنه قال: ((ألم أنهك أن تسألني عنها، إن الله لو أذن لي أن أخبركم بها لأخبرتكم، لا آمن أن تكون في السبع الأواخر)).

ففي هذه الرواية أن بيان النبي صلى الله عليه وسلم لليلة القدر انتهى إلى أنها في السبع الأواخر، ولم يزد على ذلك شيئا، وهذا مما يستدل به من رجح ليلة ثلاث وعشرين وخمس وعشرين على ليلة إحدى وعشرين؛ فإن ليلة إحدى وعشرين ليست من السبع الأواخر بلا تردد.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر ((أنه بين أنها ليلة سبع وعشرين)) .

واختلف في أول السبع الأواخر، فمنهم من قال: أول السبع ليلة ثلاث وعشرين على حساب نقصان الشهر دون تمامه؛ لأنه المتيقن.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن أول السبع البواقي ليلة ثلاث وعشرين؛ ففي مسند الإمام أحمد عن جابر ((أن عبد الله بن أنيس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر وقد خلت اثنتان وعشرون ليلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: التمسوها في السبع الأواخر التي بقين من الشهر)).

 
وفيه أيضا عن عبد الله بن أنيس ((أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر، وذلك مساء ليلة ثلاث وعشرين، فقال: التمسوها هذه الليلة، فقال رجل من القوم: فهي إذن يا رسول الله أولى ثمان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها ليست بأولى ثمان ولكنها أولى سبع، إن الشهر لا يتم)).

وقد روي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أنه أنكر أن تحسب ليلة القدر بما مضى من الشهر، وأخبر أن الصحابة يحسبونها بما بقي منه، وهذا الاحتمال إنما يكون في مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة)). وقد خَرَّجَه البخاري من حديث عبادة رضي الله عنه، ومسلم من حديث أبي سعيد، فإنه يحتمل أن يراد به التاسعة والسابعة والخامسة مما يبقى ومما يمضي.

وأما العمل في ليلة القدر فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)). وقيامها إنما هو إحياؤها بالتهجد فيها والصلاة، وقد أمر عائشة بالدعاء فيها أيضا، قال سفيان الثوري: الدعاء في تلك الليلة أحب إلي من الصلاة. قال: وإذا كان يقرأ وهو يدعو ويرغب إلى الله في الدعاء والمسألة لعله يوافق. انتهى.

ومراده: أن كثرة الدعاء أفضل من الصلاة التي لا يكثر فيها الدعاء، وإن قرأ ودعا كان حسنًا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتهجد في ليالي رمضان، ويقرأ قراءة مرتلة لا يمر بآية فيها رحمة إلا سأل، ولا بآية فيها عذاب إلا تعوذ، فيجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكر، وهذا أفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر وغيرها. والله أعلم.

وقال الشافعي في القديم: أستحب أن يكون اجتهاده في نهارها كاجتهاده في ليلها، وهذا يقتضي استحباب الاجتهاد في جميع زمان العشر الأواخر ليله ونهاره. والله أعلم.

فالمحبون تطول عليهم الليالي، فيعدونها عدا لانتظار ليالي العشر في كل عام، فإذا ظفروا بها نالوا مطلوبهم وخدموا محبوبهم.


* نقلا عن بوابة دار الإفتاء (من كتاب لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف للحافظ ابن رجب الحنبلي).

اضافة تعليق