الأهداف الحقيقية من الصوم

الأربعاء، 06 يونيو 2018 12:03 م
هكذا يكون صوم المتقين

 
تمر أيام رمضان كالنسمة، وعجَبًا ممن يُدرِكُ هذا الشهر الفضيل فلا يُصلِحُه صِيامُه، ولا يهزُّه قِيامُه، ولا تُغيِّرُه أيامُه.. وعجَبًا لمن أدرك رمضان وهو يطمَعُ في الجنَّة والمغفِرة، ثم يُضيِّعُه في المُلهِيات والمنهيَّات والمُحرَّمات.
 
فعن أبي هُريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «رغِمَ أنفُ رجُلٍ ذُكِرتُ عندَه فلم يُصلِّ عليَّ، ورغِمَ أنفُ رجُلٍ دخَلَ عليه رمضان ثم انسَلَخَ قبل أن يُغفَرَ له، ورغِمَ أنفُ رجُلٍ أدرَكَ عنده أبَوَاه الكِبَرَ فلم يُدخِلاه الجنَّة»؛ أخرجه الترمذي.

يا مَن تسألُ عن غُبار الطريق، وغَربَلة الدقيق، وابتِلاع الرِّيق هل تُفسِدُ الصومَ أم لا! يا مَن تحتَرِزُ عن هذه الأمور اليَسِيرة، وتُفرِّطُ في الأمور الجَلِيلة! احتَرِز مِن كبائِرِ الفواحِشِ والآثام، احتَرِز مِن أكل مالِ أخِيك المُسلم، وفَرْيِ عِرضِه، وغِشِّه وظُلمِه وخديعَتِه والاحتِيالِ عليه.

وهل صامَ مَن كفَّ عن الأكلِ والشُّربِ في نهارِ رمضان، ولم يكُفَّ عن إهمالِ أولادِه وتَركِهم عند مُطلَّقتِه بلا إحسانٍ ولا شفَقَة، ولا سُؤالٍ ولا نفَقَة؟!
وهل صامَت مَن حرَمَت أولادَها رُؤيةَ والِدِهم مُطلِّقِها وزيارتَه، وشجَّعَتهم على العُقوق والفُسُوق؟!

وهل صامَ مَن حرَمَ أولادَه رُؤيةَ أمِّهم مُطلَّقَتِه التي لا هناءَ لحياتِهم إلا بشَمِّ رِيحِها وعَبِيرِها، ورُؤيةِ وجهِها والاستِدفاءِ بحَنانِها؟!

وهل صامَ مَن هجَرَ زوجتَه، وتركَها مظلُومةً مُعلَّقة، لا هي زوجةٌ ولا مُطلَّقة؟!


وهل صامَ مَن عقَّ والِدَيه وهجَرَهما، وتعالَى عليهما، وضَجِرَ مِن خِدمتِهما، إن سُئِلَ بَخِل، وإن عُوتِبَ جَهِل، وإن رُجِيَ خَيَّب، وإن طُلِبَ تغيَّب، لا يُجيبُ إلا عُنفًا، ولا يُعطِي إلا خوفًا، ولا يعرِفُ إلا “سوفَ”؟!

وهل صامَ مَن نامَ عن الفريضَة، وأخرَجَ الصلاةَ عن وقتِها، ولم يُصلِّ الظُّهرَ والعصرَ إلا بعد خُروجِ أوانِها وزمانِها، واعتادَ ذلك في أيامِ رمضان كلِّها؟!
هل صامَ مَن أكلَ مِيراثِ إخوانِه وأخَواتِه، وغصَبَ حقَّ الضُّعفاء واليتامَى والمساكِين، واستَولَى على غلَّة الأوقافِ وحرَمَ المُستحِقِّين؟!

نعم، لقد صامَ صِيامًا مُجزِئًا ومُسقِطًا للواجِب، ولكنَّه صومٌ مُتلبِّسٌ بالزُّور والإثمِ والظُّلم، مُصاحِبٌ للكبائِر والعظائِم، وقد لا يقومُ ثوابُ صِيامِه في مُوازنة إثمِ ظُلمِه وإجرامِه.

فاتَّقُوا اللهَ يا مَن أمسَكتُم عن المُفطِّرات والمُفسِدات أثناءَ الصيام، وفعَلتُم ما يجِبُ على المُسلم اجتِنابُه، ويحرُمُ عليه ارتِكابُه على الدوامِ.

يا ذا الذي صامَ عن الطُّعمِ***ليتَكَ قد صُمتَ عن الظُّلمِ

هل ينفَعُ الصَّومُ امرَءًا ظالِمًا***أحشاؤُهُ مَلأَى مِن الإِثمِ؟!

عن أبي هُريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «مَن لم يَدَع قولَ الزُّور والعمل به، فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه».

وعن جابرِ بن عبد الله الأنصاريِّ – رضي الله عنه – قال: “إذا صُمتَ فليَصُم سَمعُك وبصَرُك ولِسانُك عن الكذِبِ والمحارِم، ودَع أذَى الخادِم، وليكُن عليك وَقارٌ وسَكِينةٌ يَومَ صِيامِك، ولا تجعَل يَومَ فِطرِك وصَومِك سَواء”.

عن أبي هُريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «رُبَّ صَائِمٍ حظُّه مِن صِيامِه الجُوعُ والعَطَش، ورُبَّ قائِمٍ حظُّه مِن قِيامِه السَّهر»؛ رواه أحمد.

وهذا زمنُ الإياب، هذا مُغتسَلٌ بارِدٌ وشراب، هذا شهرٌ يُفكُّ فيه العانِي، ويُعتَقُ فيه الجانِي، ويُطلَقُ فيه العاصِي.

يا مَن ألِفَ الذنوبَ وأجرَمَا .. يا مَن غدَا على زلَّاتِه مُتندِّمًا .. تُبْ فدُونَك المُنَى والمَغنَمَا .. واللهُ يُحبُّ أن يجُودَ ويرحَمَا .. ويُنيلَ التائِبِين عفوَه تفضُّلًا وتكرُّمًا.
فطُوبَى لمَن غسَلَ في رمضان دَرَنَ الذنوبِ بتوبةٍ .. ورَجَعَ عن خطاياه قبل فوات الآوان.

اضافة تعليق