العشر الأواخر.. فيها ليلة خير من ألف شهر

الأربعاء، 06 يونيو 2018 11:58 ص
العشر الأواخر

 
ها هي أيام الشهر قد تتابعت، ولياليه الغر قد تلاحقت، هذه أيام رمضان، وها نحن على أبواب العشر الأواخر، وقفنا على الليالي العشر ونحن فقراء إلى رحمة الله، وقفنا نشكو تقصيرنا إلى الله، وقفنا وكلنا أمل وطمع في رحمة الله أن لا يخيب رجاءنا، وأن يستجيب دعاءنا، وقفنا على أبواب عشر ما دخلت على رسول الله إلا شد مئزره وأيقظ أهله وأحيا ليله، صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.
 
بينها ليلة خير من ألف شهر، من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، عشر إذا دخلت على الأخيار والصالحين فروا إلى بيوت الله معتكفين ركعًا سجدًا، يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، قد فارقوا النوم والكرى والهجود، يرجون رحمة الله الحليم الودود، ويسألونه مقامًا مع الركع السجود، في نعيم الجنات جنات الخلود، مع المقربين الشهود، قد سمت أرواحهم إلى الخيرات، وتنافست أجسادهم في فعل الباقيات الصالحات، عشر وما أدراك ما هذه العشر؟! أقسم الله بها في كتابه المبين، وعظَّم شأنها بهدي رسول الله الأمين.
 
فيا معاشر العُباد: وصية لكم من كتاب الله وسنة رسول الله: اعلموا أن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، لا يقبل الله من العبادة إلا ما كان خالصًا لوجهه، يراد به ما عنده: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110] أخلصوا لله النيات، وأخلصوا لله العبادات والطاعات، فلا يزال العبد بخير إذا تكلم تكلم لله، وإذا عمل عمل لله.
 
يا معاشر العباد: كم من قائم على أم حنون يسقيها دواءها، ويعالج جراحها وداءها، بلَّغه الله أجر المعتكفين، كم من قائم على أب ضعيف، شيخ كبير، يقضي حوائجه، ويرحم ضعفه، ويحسن إليه، ويجبر بإذن الله كسره، بلَّغه الله مقام المعتكفين، كم من قائم على زوجة سقيمة مريضة، يقوم عليها، بلَّغه الله أجر الاعتكاف بما كان من إحسانه إليها.
 
تخلف عثمان - رضي الله عنه وأرضاه - عن غزوة بدر بسبب زوجه التي كان يمرضها، رقية - رضي الله عنها وأرضاها -، لو كنت مريضًا لقامت على رأسك ولأحسنت إليك، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان.
 
يا معاشر العباد: إياكم وحرق أعمالكم بألسنتكم من غيبة وسب وأذية.. ألزموها البر كما عهد عنكم بالذكر والدعاء والقران والتسبيح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ترتفع درجاتكم وتعلو منازلكم.. {﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].
 
أيها المسلمون: هاهو شهر رمضان قد انتصف، بل و زاد، فهل فينا من قهر نفسه وانتصف؟ وهل فينا من قام فيه بما عرف ؟ وهل تشوقت أنفسنا لنيل الشرف ؟! ما أَسرعَ مُرُورَ اللَّيَالي وَمُضِيَّ الأَيَّامِ! وَمَا أَعجَلَ انقِضَاءَ الأَوقَاتِ وَذَهَابَ السَّاعَاتِ! بِالأَمسِ القَرِيبِ دَخَلَ شَهرُ رَمَضَانَ المُبَارَكُ، وَكَانَ المُسلِمُونَ في شَوقٍ عَظِيمٍ لِبُلُوغِهِ، وَكَانَت نُفُوسُهُم في لَهفَةٍ شَدِيدَةٍ لإِدرَاكِهِ، ثُمَّ هَا هُوَ اليَومَ قَد مَضَى نِصفه عَلَى عَجَلٍ.. "اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك".
 
ولربما منا من يكون هذا الشهر آخرَ رمضانَ يعيشه، فيكون ممّن أُعتق فيه من النار إذا أتى بأسباب توجب له الرحمة والمغفرة والعتق من النار، من الصيام والقيام وقراءة القرآن والذكر ومساعدة الفقراء والمحتاجين وإطعامهم والصدقة والاستغفار وغير ذلك من الأعمال الصالحة وقد روى الترمذي وغيره بسند صحيح "إن لله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة".

اضافة تعليق