الرقابة الذاتية.. «إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا»

الثلاثاء، 05 يونيو 2018 02:36 م
34398143_1957369044576459_5132615446343712768_n

 
«الرقابة الذاتية».. مفهوم إبداعي جاء به الإسلام قبل كل التشريعات والتنظيمات الحديثة، ولذلك وجب علينا أن نكرِّر على مسامع أطفالنا قصة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حينما سمع تلك الفتاة التي رأت أمها تخلط الماء بالحليب؛ فقالت لها: "إذا كان عمر لا يرانا؛ فإن رب عمر يرانا"؛ فمثل هذه القصة لها أثر كبير في ترسيخ هذه القيمة.
 
و«الرقابة الذاتية» تعني متابعة الفرد المؤمن لأفعاله دائمًا، مستشعرًا رقابة الله - تعالى - وأنَّ ما يقوله وما يعمله مسجَّلٌ له أو عليه؛ لذا فهو يُراجِع أقوالَه وأعماله، ويزنُها بميزان الشرع الإسلامي، مصداقا لقوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 9 - 10]، فإذا كان ضمير المسلم مسيطرًا على أعماله وأقواله وفكره، فإن الرقابة الإدارية، ورقابة المجتمع، ورقابة القضاء - تتقلص إلى أدنى حد.
 
إذن الرقابة الذاتية.. هي رقابةُ الموظف لنفسه في سِرِّه وعَلانيته، يَحدوه في ذلك مَخافة الله في أعماله، والله - تعالى - لا يَعزُب عن علمه شيء، بل يعلم السرَّ وما خفي في الصدور، وأنَّ الموظفَ إذا آمن بقدرة الله عليه، وبأنه يُراقبه في أعماله ويُحاسبه عليها، هانتْ عليه وصغرت أمامه جميعُ أنواع الرقابة، والقرآن الكريم يزخَر بالآيات التي تُؤكِّد على إحاطة الله - عزَّ وجل - بكل أعمال وأفعال المخلوق؛ قال - تعالى -: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، وقوله - تعالى -: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾ [النساء: 108]، وقوله: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [آل عمران: 156]، وقوله: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7 - 8].
 
وقد كانت الرقابة الذَّاتِيَّة في عهد الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - واضحة وجلية، فهو القدوة الحسنة؛ لشِدَّة خشوعه وخوفه من الله - عزَّ وجل - حيث كان يقوم الليلَ حتى تتفطر قدماه، فلما سألتْه عائشةُ - رضي الله عنها -: "لِمَ تصنع هكذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا))".
 
ولقد عمل الرسولُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - على ترسيخِ الرقابة الذاتية في نفوس المسلمين، وتربَّى أصحابُه على توجيهاتِه وتَعليماته، ومن التوجيهات في هذا الشأن قوله - عليه الصَّلاة والسَّلام - لابن عباس - رضي الله عنهما -: ((يا غلام، إنِّي أعلمك كلمات: احفظ الله، يَحفظك، احفظ الله، تَجده تُجاهَك، إذا سألتَ، فاسألِ الله، وإذا استعنت، فاستعن بالله، واعلم أنَّ الأمةَ لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلاَّ بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أنْ يَضروك بشيء، لَم يضروك إلاَّ بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفَّت الصُّحف)).
 
وتتجلى الرِّقابة الذَّاتِيَّة فيما ما يُروى عنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - عندما كان يفتش جيشه، فوجد جنديًّا خارجًا عن الصف، فوكزه في بطنه؛ ليستقيمَ مع الصف، فتأَلَّم الجندي، فما كان من النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلا أنْ طلب من الجندي أن يقتصَّ لنفسه، وكشف بطنه له، فبادر الجندي إلى تقبيل بطنِه - عليه الصَّلاة والسَّلام - وقد أطلق العلماء على هذا النوع من الرقابة: الرقابة الذاتية التلقائية؛ حيث كان - عليه الصَّلاة والسَّلام - وهو الرئيس الأعلى قدوةً للمسلمين حين مَكَّن صاحبَ المظلمة من القصاص منه، على الرغم من أن ذلك العمل كان على سبيل التوجيه للجند، والحزم في مواقف الجِدِّ.
 
ولقد سار على مَنهجِ الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - الخليفةُ أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وقد اتَّضح ذلك من الخطبة التي ألقاها عند توليه الخلافة، حيث وضح فيها أسلوبه، الذي ينبع من المنهج الإسلامي في الرقابة الذاتية، التي يَجب أن تتوفر في الوُلاة والعُمَّال، أمَّا الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فتتجلى الرقابة الذاتية عنده من خطبته التي ألقاها، عندما اختير خليفةً؛ حيث جاء فيها: "ثم إنِّي وليت أموركم أيها الناس، فاعلموا أنَّ تلك الشدة قد أضْعِفت، ولكنَّها إنَّما تكون على أهلِ الظُّلم والتعدي على المسلمين، فأما أهلُ السلامة والدين والقصد، فأنا ألينُ لهم من بعضهم لبعض، فلستُ أدَعُ أحدًا يظلم أحدًا، أو يَعتدي عليه، حتى أضَعَ خَدَّه على الأرض حتى يذعن للحق، وإنِّي بعد شدتي تلك أضَعُ خدي على الأرض لأهل العفاف والكفاف...".
 
ويُروى عن عمر - رضي الله عنه - أنَّه اتَّخذ قرارًا بمنع المغالاة في المهور، فاحتجَّتْ عليه امرأة بقول الله - تعالى -: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ﴾ [النساء: 20]، فما كان منه إلاَّ أن رجع عن قراره بعد أنْ سَمِعَ كلامها، وقد عَدَّ العلماء هذا العمل نوعًا من الرقابة الذاتية؛ بناءً على تظلُّم المظلوم، وهي - أي: الرقابة الذاتية - من المزايا العظيمة التي يتميَّز بها هذا الدين العظيم، باعتبارها وازعًا دينِيًّا لا يوجد في الأنظمة الوضعية الأخرى، التي هي من وضع الإنسان، وقابلة للتبديل والتغيير.

اضافة تعليق