التهور والمجازفة.. «لا تتفوه بكلام تعتذر منه غدًا»

الثلاثاء، 05 يونيو 2018 02:33 م
تعبيرية

 
يَعتقد كثيرٌ من الناس أن التهور مرض نفسي، والسر في ذلك اعتقادُ البعض من أهل الاختصاص أنه ضَرْب من الجنون، وهذا خطأ كبير يقع فيه مَن يظنُّ ذلك؛ فالشخصية المتهورة ليست مريضةً، ولكنها تعاني من تقلب شديد في العاطفة، وتغير سريع في المواقف لأتفه الأسباب، مع سرعة فائقة في الانفعال في كل الأحوال.
 
إن من أعظم ما يَزينُ المرءَ في حياتِه دينَه وعقلَه اللَّذَين أكرمه الله بهما، وفضَّله على كثير ممن خلق تفضيلاً؛ فبالدين يرتفعُ عما يُغضِبُ اللهَ، وبالعقل يزن تصرفاته وقراراته.. ومما لاشك فيه أن أي تقلب في الأمور ليس له بعد حفظ الله وتوفيقه إلا التأني وإعمال العقل بروية في المُقدِّمات والعواقِب، وفيما ينبغي الإقدامُ عليه أو الإحجامُ عنه.. وبالتالي فإن عدو ذلك كلَّه الذي ينخُرُ في عقل المرء، ولا يجلِب له إلا السوء هو ما يُسمَّى بالمُجازفة، أو المُغامَرة، أو التهوُّر، أو المُخاطَرة، إذ كلُّها تدورُ حول معنًى واحد، هو الإقدامُ على الأشياء جُزافًا دون روِيَّة أو تمحيص، بل بإفراطٍ يستنكِرُه أوساطُ العُقلاء من الناسِ لمُخالفته القُدرة على الصبر والأناة والحلمِ والحِكمة والفِطنة.
 
ومن ثم فإن التهوُّر والطيشُ، واللامُبالاة، في كل مناحي الحياة الاجتماعية. إنها المُجازفة في المدحِ الذي يُعمِي صاحبَه عن العيب أو الذمِّ، الذي يقتُلُ الإنصافَ فيقلِبُ الحسنات سيئات.

نعم، إنها المُجازفة والمُاطرة التي تجعلُ لسانَ المرء وفعلَه مُتقدِّمَين على قلبِه وعقلِه، فيقعُ بسببهما في محاذِير يصعُبُ التخلُّصُ منها أيًّا كانت، حسِّيَّةً أو معنويَّة، بصورةٍ لا ينفعُ معها تلفيقٌ، ولا يُجدِي فتوقَها رُتوق.

ولله، كم من لسانٍ تهوَّر، فاحتاجَ بعد ذلك إلى اعتذاراتٍ طويلةٍ لا يُجدِي كثيرٌ منها بعد فواتِ الأوان.

وقد صدقَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -؛ حيث قال: «ولا تكلَّم بكلامٍ تعتذرُ منه غدًا»؛ رواه أحمد وابن ماجه.

إن المُجازفة والتهوُّر وأضاربَهما لا تحتملُ إلا وجهًا واحدًا، هو الذمُّ والتقريع، لتجاوُزها حدودَ المعقُول، وإنه لمن المُؤسِف حقًّا أن تلقَى صُورٌ من المُجازفات والمُخاطرات رعايات إعلامية تحظَى باهتمامٍ واسِع، للافتِخار بوُلُوجِ موسوعاتٍ قياسيَّة، أو بالحُصول على إعجابِ الجماهِير وانتِشار الصِّيت.
 
وكم هم ضحايا تلكُم التطلُّعات من الذين لقُوا حتفَهم في سبيل الوُصولِ إليها، فحِيلَ بينهم وبين ما يشتَهون، بعد أن ضربُوا صُورًا من الطَّيش اللامسؤُول بسياراتهم بالسُّرعة القاتِلة، أو التلاعُب والتفنُّن بمُغامرات بهلوانيَّة تلقي إلى التهلُكة.. ناهِيكُم عن المُغامَرة بحقوقِ الآخرين، في أموالهم وأعمالهم. فكم من مُغامِرٍ أخذَ أموالَ الناس مُتهوِّرًا باستِثمارها فيما ليس من تخصُّصه، أو قُدرته في وِردٍ ولا صدَر، ولا هو من بابَتِه، أغرَى من خلالِه من وَثَقوا به بمكاسِب تسيلُ لها جُيوبُ ذوي الأموال، فطاشَت أموالُهم بطَيش عقلِه وتهوُّر ذمَّته. ولا عجَبَ، فإن المُجازفة بالشيءٍ عن جهل هو كالعلم به.
 
ويؤشِّر على الشخصية المتهورة من أمور أساسية تمتاز بها:
• التردُّد الواضح والعجز عن إقامة عَلاقة ثابتة مع آخرين لمدة طويلة؛ نظرًا لعدم القدرة على المثابرة والالتزام بنَهْج ثابت، ولنفاد الصبر سريعًا بسبب الانفعال الشديد.
 
• هذه الشخصية سريعة التأثُّر بالأحداث اليومية، والأخبار المثيرة، وتهتم كثيرًا بقيل وقال؛ لأنها تأخذ مواقفَها استنادًا على ذلك، وليس استنادًا على الحقائق على الأرض.
 
• أصحاب هذه الشخصية يضعون في اعتبارهم ما يقولُه الآخرون عند تقديرهم للمواقف، وهكذا تتأثَّرُ قراراتهم بالناحية المزاجية الانفعالية أكثر من تأثُّرها بالناحية الموضوعية العقلية، فمثلاً حين يستمع المتهور حديثًا عن شخص معين، وكان الكلام غيرَ مُرضٍ بالنسبة له عن ذلك الشخص - فلا يتردد الشخص المتهور في اتخاذ القرار بشكل متسرِّع بقطعِ العَلاقات بينه وبين ذلك الإنسان، بل وإفشاءِ كل أسراره، وسبِّه ولعنه والتشهير به، دون التأكُّد من صحة ما قيل، أو التثبُّت ومناقشة الطرف الآخر!
 
• من صفات الشخصية المتهورة أنها أنانيَّة بعضَ الشيء، ومُحبَّةٌ للظهور واستجلاب الاهتمام، والمحاولة الدائمة لاسترعاء الانتباه، وحبُّ الاستعراض والمبالغة في الكلام.

اضافة تعليق