عبد الرحمن بن عوف..

الصحابي الذي لو رفع حجرًا لوجد تحته فضة أو ذهبًا

الثلاثاء، 05 يونيو 2018 02:26 م
عبد الرحمن بن عوف



عبد الرّحمن بن عوف.. الخليفة الثالث وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وله عدّة مواقف مشرّفة في الإسلام، ولد في السّنة الثالثة والأربعين قبل الهجرة، في عام خمسمائة وواحد وثمانين ميلادية، وتعود أصوله لقبيلة قريش من أشراف العرب، وأمّه هي الشفاء بنت عوف.
 

ولد ابن عوف بعد عام الفيل بعشر سنين ونشأ نشأة صافية وعرف بين قومه بسداد رأيه ورجاحة عقله، كان لا يأبه بأعمال الجاهلية وعاداتها فكان ممن حرم الخمر في الجاهلية، باشر الإيمان قلبه منذ أن لاحت تباشير الإسلام في أيامه الأولى أسلم على يد الصديق بعد يومين من إسلام الصديق فكان بذلك أحد الثمانية الذين لم يكن على وجه الأرض مسلم غيرهم.

 
كان اسمه في الجاهلية، عبد الكعبة، وقيل عبد عمرو، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الرحمن، ثم كان ابن عوف بعد ذلك من الثلة المؤمنة الذين أوذوا بسبب إسلامهم فصبروا وصابرو ثم  هاجروا إلى الحبشة الذي مكث بها ثلاثة أشهر، ثم قفل بعد ذلك إلى مكة ثم هاجر مرة أخرى إليها ثم عاد أخرى إلى مكة ثم أذن النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته بعد ذلك بالهجرة إلى المدينة، فكان ابن عوف فيمن خرج مهاجراً في سبيل الله ونال بذلك وسام الثناء من ربه في قوله تعالى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾.

 
دخل ابن عوف المدينة فقيراً معدماً لا درهم له ولا متاع لا يملك إلا ثيابه التي عليه، فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد ابن الربيع، فقال له سعد بحفاوة إيمانية صادقة وكرم عربي أصيل، يا عبد الرحمن إنا أكثر أهل المدينة مالاً فانظر شطر مالي فخذه وتحتي امرأتان فانظر أيتهن أعجب لك حتى أطلقها لك وتتزوجها، فقال له الشريف العفيف: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على سوق المدينة.


دخل ابن عوف سوق المدينة وعمره ثلاث وأربعون سنة وكان صناع السوق وسماسرته من يهود بني قينقاع، فلم يثن عزيمته ولم يفت في همته هذا الاحتكار اليهودي بل زاحم في السوق واشترى وباع وربح وادخر وهكذا سارت به الأيام وهو يكدح في العمل وطلب الحلال والعفاف.


يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم (ما فتح إنسان على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر).. ومفهوم الحديث أن العبد إذا عف عن المسألة واتقى ربه في طلب الحلال مع فعل الأسباب أغلق الله دونه أبواب الفقر،

وهكذا كان ابن عوف بسبب عفاف يده وشرف نفسه، فتح الله عليه باب الرزق وساعده في ذلك حماسته في التجارة وذكاؤه في استجلاب السلع وطريقة تصريفها.


سأله أحد أصحابه (بما أدركت من التجارة ما أدركت؟ فقال: لأني لم اشتر معيباً ولم أرد ربحاً كثيراً والله يبارك لمن يشاء) وبارك الله لابن عوف في تجارته فكان لا يشترى شيئاً إلا ربح فيه حتى قال عن نفسه متعجباً (لقد رأيتني لو رفعت حجراً لوجدت تحته فضة أو ذهباً)، وهكذا أصبح الفقير المعدم في سنوات معدودة من أثرياء أهل المدينة ومن أصحاب الأموال الضخمة والأرصدة العالية.

 
ولقد أخبرنا ربنا تبارك وتعالى أن المال يفتن العبد ويلهيه وهو سلاح ذو حدين إما أن ينجي أو يردي ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾، ولكن ابن عوف كان له شأن مع هذا المال، نعم لقد عرف ابن عوف كيف يجمع المال ولكنه أيضاً عرف كيف يحسن استخدام هذا المال لم يكن رضي الله عنه كداساً للثروات جماعاً للمال في غير نفع ولا منفعة، فسبحان من خلق السخاء والإنفاق ثم سلمه لابن عوف، كان رضي الله عنه لا يهنأ إلا بإنفاق المال سراً وجهراً في العسر واليسر حتى ملك القلوب بماله فشاطره بالانتفاع في هذا المال أهله وأقاربه وإخوانه ومجتمعه حتى قيل (كان أهل المدينة عيالاً على عبد الرحمن بن عوف: ثلث يقرضهم ماله وثلث يقضي دينهم ويصل ثلثاً).


سمع النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الناس للصدقة لكي يجهز سرية، فذهب إلى بيته مسرعاً ثم عاد ونثر بين يدي النبي عليه السلام أربعة آلاف دينار هي نصف ماله فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم في ماله، قدم يوماً لجيوش الإسلام خمسمائة فرس، ومرة ألفاً وخمسمائة راحلة، باع يوماً أرضاً بأربعمائة ألف درهم فقسمها على فقراء أقاربه والمهاجرين وأمهات المؤمنين، في غزوة تبوك حينما كانت الحاجة إلى المال أكثر من الرجال أنفق ابن عوف إنفاق من لا يخشى الفقر.


والمنافقون لم يسلم منهم الصالحون من ذلك التأريخ فغمزه ولمزوه بالرياء من كثرة ما جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾كان دائماً رضي الله عنه ما يتفقد أحوال أمهات المؤمنين ينهض بحوائجهن ويسعي في أمورهن، أرسل يوماً مالاً وفيراً لعائشة - رضي الله عنها - فقالت: سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا يحنو عليكن بعدي إلا الصابرون) رواه الترمذي.

اضافة تعليق