محمد صديق المنشاوي.. "الصوت الباكي".. كيف نجا من السم؟

الثلاثاء، 05 يونيو 2018 11:49 ص
hqdefault

وصف بــ "الشيخ الباكي"، بسبب شجون صوته وعذوبته التي تطرب الأسماع وتبكي القلوب في آن واحد، هو أحد أعلام القراء في مصر، وقد نال شهرة عريضة داخل مصر وخارجها، وكان سمته التواضع، ووجه يحمل وضاءة أهل القرآن، وقد ترك وراء كنزًا من التسجيلات القرآنية العامرة بها مكتبة الإذاعة المصرية، ومكتبات عربية أخرى.


ولد الشيخ محمد صديق المنشاوي فى عام 1919 بمدينة المنشاة بمحافظة سوهاج بالصعيد، وهو ينتمي إلى عائلة اكتسبت شهرة واسعة في الصعيد كونها من قراء القرآن الكريم، فوالده هو الشيخ صديق السيد المنشاوي الذي اشتهرت قراءته في كل من مصر، سوريا وبريطانيا، وعمه الشيخ أحمد السيد المنشاوي الذي دعي للقراءة بالقصر الملكي ورفض ذلك.

أبوه الشيخ صديق المنشاوي هو من علّمه فن قراءة القرآن الكريم، أتم حفظ القرآن الكريم فى سن الثامنة من عمره، وتعلم أحكام التلاوة وعلوم القراءات على يد الشيخين محمد السعودي ومحمد ابوالعلا اللذين لم يجدا عناء فى تعليمه، حيث كان موهوبًا، ولديه مواصفات القارئ النابغ.

ولقد تأثر الشيخ المنشاوي بالشيخ محمد رفعت، وكان محبًّا له، ومن المعجبين بصوته وتلاوته، وكان كذلك يحب الاستماع إلى أصوات كبار المقرئين الذين عاصروه، كالشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، وأبي العينين شعيشع، ومحمود علي البنا، وغيرهم.

قرأ الشيخ المنشاوي القرآن الكريم في سرادق عام لأول مرة في قرية "أبار الملك" التابعة لمركز "أخميم" بسوهاد، وكان ذلك أول مؤشر على أن شهرة الشيخ الصغير قد تجاوزت منطقة "المنشأة". 

ثم انتقل الشيخ مع والده وعمه أحمد السيد إلى القاهرة ليتعلم القراءات وعلوم القرآن، ونزل في ضيافة عمه، وعند بلوغه الثانية عشرة درس علم القراءات على يد الشيخ محمد أبو العلا، والشيخ محمد سعودي الذي انبهر به وبنبوغه المبكر، فأخذ يقدمه للناس. 

وقد أحب الشيخ، أستاذه محمد سعودي إبراهيم، حبًّا خالصًا لمِا لقيه منه من رعاية واهتمام، حتى إنه سمى أول أولاده "محمد سعودي".

وحاز الشيخ المنشاوي على شهرة واسعة في الصعيد، حتى وصلت شهرته إلى مسامع المسئولين بالإذاعة المصرية التي انتقلت للشيخ الجديد الذي سبقته شهرته بمعداتها، وانطلق صوته يعانق السحاب عبر الإذاعة من مدينة اسنا جنوب الصعيد، والتي كان يحيى بها إحدى الليالي في عام 1953 وهو العام نفسه الذي تم اعتماده في الإذاعة وتوالت التسجيلات الإذاعية له. 

وكتبت مجلة الإذاعة والتلفزيون عن أنه أول مقرئ تنتقل إليه الإذاعة، وبعد اعتماده مقرئًا في الإذاعة عينته وزارة الأوقاف قارئًا بمسجد الزمالك بحي الزمالك بالقاهرة، وظل قارئًا لسورة الكهف به حتى توفاه الله.

لم يكن صوت المنشاوي يصافح آذان جمهور المسلمين شرقًا وغربًا فحسب، بل ذاع صيته واحتل مكانة عن جدارة واستحقاق بين كوكبة القراء بفضل الله، ثم بقوة الصوت وجماله وعذوبته، وإجادته القراءة بالمقامات، فأصبح أشهر القراء في العالم الإسلامي.

وكانت له العديد من التسجيلات في المسجد الأقصى والكويت وسوريا وليبيا وإندونيسيا وبريطانيا، بالإضافة إلى قراءة مشتركة مع القارئين كامل البهتيمي وفؤاد العروسي.

قال عنه إمام الدعاة الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي: "إنه ورفاقه الأربعة مقرئون؛ الآخرون يركبون مركبًا ويبحرون في بحر القرآن الكريم، ولن يتوقف هذا المركب عن الإبحار حتي يرث الله -سبحانه وتعالى- الأرض ومن عليها".
ومما يروى أن الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر عندما دعا الشيخ للمشاركة فى التلاوة بالسرادق المقام لمأتم والده بمدينة الإسكندرية، وبعد انتهاء الليلة طلب منه أن يبيت بالحجرة المجاورة له، وفى الصباح طلب منه عبدالناصر سماع تلاوته، وبعد عشر دقائق بكى متأثرًا، وأصدر قرارًا له بتسجيل المصحف المرتل للإذاعة المصرية.

كما يحكى أن أحد وزراء عبدالناصر قام بدعوة الشيخ المنشاوي لحفلة يحضرها الرئيس، وقال له إن له الشرف في حضور حفلة يحضرها الرئيس، فكان رد الشيخ على الوزير: "ولم لا يكون الشرف لعبد الناصر أن يحضر حفلةً يستمع فيها للقرآن بصوت المنشاوي"، ورفض أن يلبي الدعوة قائلاً: "لقد أخطأ عبد الناصر حين أرسل إلي أسوأ رسله".

زار الشيخ المنشاوي العديد من البلاد العربية والإسلامية وحظي بتكريم بعضها، حيث منحته أندونيسيا وسامًا رفيعًا في منتصف الخمسينات، كما حصل على وسام الاستحقاق من الدرجة الثانية من سوريا عام 1965، وزار باكستان والأردن وليبيا والجزائر والكويت والعراق والسعودية وحظي بالتشريف من أهلها.

وقد تتلمذ على أسلوبه العديد من القراء الذين يتبعون مدرسته ويقلدون صوته وكانت علاقته بأهل بلدته المنشاة لا تنقطع وكان عطوفًا على الفقراء، قال أحد أبنائه: إن علاقة والده بأهل بلدته لا تنقطع، وهذه من عادات أهل الصعيد الحسنة، فكان عطوفًا بهم، محبّاً لفقرائهم. وأذكر أنه قال لنا ذات مرة، إنه يريد أن يصنع وليمة كبيرة على شرف بعض الوزراء وكبار الوجهاء على العشاء، فتمّ عمل اللازم، ولكننا فوجئنا بأن ضيوفه كانوا جميعًا من الفقراء والمساكين من أهل البلدة، وممن يعرفهم من فقراء الحي الذي كنا نعيش فيه. 

كان الشيخ المنشاوي شديد التواضع، وكان كثيرًا ما يتحرر من عمامته ويرتدي جلبابًا أبيض وطاقية بيضاء ويجلس أمام بيته؛ فكان بعض الناس يعتقدون أنه بوّاب العمارة، خاصة وأن بشرته قمحية، ولكن ذلك لمن يكن يضايقه. وذات مرة اقترب منه أحد الرجال- وكان جارًا له في المسكن- ولم يعرفه وقاله له - بلهجته العامية-: لو سمحت يا عم ما تعرفش الشيخ محمد صدّيق المنشاوي موجود في شقته ولا لأ، فنظر إليه الشيخ محمد قائلاً له: حاضر يابني انتظر لمّا أشوفه لك، وبالفعل تركه وصعد إلى شقته، وارتدى العِمّة والجلباب والنظارة، ثم نزل إليه وسلّم عليه، ولم يقل له الشيخ عندما سأله أنه هو من يسأل عنه؛ حتى لا يسبب له حرجًا لعدم معرفته به وهو صاحب الصيت في العالم العربي والإسلامي، وقضى لذلك الرجل مسألته.  

تزوج مرتين أنجب من زوجته الأولى أربعة أولاد وبنتين، ومن الثانية خمسة أولاد وأربع بنات، وقد توفيت زوجته الثانية وهي تؤدي مناسك الحج قبل وفاته بعام. 

يقول محمد سعودي، نجل الشيخ: "حرص والدي على أن نبدأ في حفظ القرآن الكريم ونحن في سن الخامسة، بغض النظر عن تخصصاتنا الدراسية؛ ولذلك أصبح حفظ القرآن هو القاسم المشترك بين أبناء الشيخ محمد صدّيق".

 ويكشف الشافعي نجل الشيخ صدّيق عن ملامح تربوية من حياة والده فيقول: "كان أبي حريصًا على أن نؤدي الفرائض، وكثيرًا ما اصطحبنا للمساجد التي يقرأ فيها القرآن، وكان ذلك فرصة لي لزيارة ومعرفة معظم مساجد مصر، كما كان يراقبنا ونحن نختار الأصدقاء، ويصر على أن يكونوا من الأسر الملتزمة خلقًا ودينًا، ويشارك أبناءه في المذاكرة، ويساعدهم في أداء الواجبات المدرسية، ويحضر مجالس الآباء في المدارس التي يلتحق بها أبناؤه، وخلال الإجازة الصيفية كان يشاركنا في الرياضات مثل السباحة والرماية في النهار، وفي الليل يقرأ لنا الكتب الدينية التي تناسب أعمارنا، حتى إذا تعوّد الواحد منّا على القراءة زوّده بالكتب وشجّعه على قراءة المزيد. وقبل هذا وذاك يأتي تحفيظ القرآن الكريم للأبناء، حتى من تركه صغيرًا أوصى والده الشيخ صدّيق أن يحفّظه القرآن، وقد فعل".

وقد تعرض لمحاولة قتله بالسم، عندما كان مدعوًا ذات مرة إلى سهرة قرآنية، وبعد الانتهاء، دعاه صاحبها إلى تناول طعام العشاء عنده في المنزل، لكنه رفض ذلك، فقام صاحب الدعوة والمنزل بإرسال بعض من أقاربه لإقناعه وحثه على القدوم، فوافق على طلبه، وقبل البدء في تناول الطعام، أقبل طباخ المنزل إلى الشيخ المنشاوي وهو يرتجف وينتفض، وقال له إن أصحاب المنزل طلبوا منه أن يدس له السم في أحد أطباق الطعام ويقدمه مباشرةً للشيخ، وأخبر الشيخ أنّ ضميره استيقظ في اللحظة الأخيرة، وجاء ليخبره بهذا، ووصف له شكل ونوع الطبق المسمم، وطلب منه أن يكتم هذا الأمر، وأن لا يقول شيئًا؛ حفاظًا على قوته، وحتى لا يقوم أهل المنزل بطرده، وعندما جاء الطباخ بالطبق المسمم ودفعه إلى الشيخ المنشاوي، عرفه كما وصفه له الطباخ، فاعتذر لأصحاب المنزل عن تناول المزيد من الطعام، فأخذوا يحلفونه ويقسموا عليه ليأكل منه، فأخذ قطعة من الخبز وأكلها، وقال: هذا يبر قسمكم، وبذلك يكون قد أنجاه الله من هذه المحاولة الخبيثة لقتله. 

في عام 1966 أصيب بمرض دوالي المريء، ولكنه على الرغم من هذا لم يكف عن القراءة، وظل يقرأ القرآن حتى توفي -رحمة الله عليه -في يوم الجمعة لعام 1389 للهجرة الموافق 1969 ميلادية.



اضافة تعليق