"طلحة بن عبيدالله".. رجل صدق ما عاهد الله عليه

الإثنين، 04 يونيو 2018 12:30 م
طلحة بن عبيد الله

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) ..< الأحزاب 23 >

تلا الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الآية الكريمة، ثم استقبل وجوه أصحابه، وقال وهو يشير إلى طلحة بن عبيد الله أحد المبشرين بالجنة: "من سرّه أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض، وقد قضى نحبه، فلينظر إلى طلحة".

ولم تكن ثمة بشرى يتمنّاها أصحاب رسول الله، وتطير قلوبهم شوقاً إليها أكثر من هذه التي قلّدها النبي طلحة بن عبيد الله لقد أطمأن إذن إلى عاقبة أمره ومصير حياته.. هو واحد من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ولن تناله فتنة، ولن يدركه لغوب ولقد بشّره الرسول بالجنة، فماذا كانت حياة هذا المبشّر الكريم .

لقد كان في تجارة له بأرض بصرى حين لقي راهباً من خيار رهبانها، وأنبأه أن النبي الذي سيخرج من بلاد الحرم، والذي تنبأ به الأنبياء الصالحون قد أهلّ عصره وأشرقت أيامه..وحذّر طلحة أن يفوته موكبه، فإنه موكب الهدى والرحمة والخلاص

وحين عاد طلحة إلى بلده مكة بعد شهور قضاها في بصرى وفي السفر، ألفى بين أهلها ضجيجاً وسمعهم يتحدثون كلما التقى بأحدهم، أو بجماعة منهم عن محمد الأمين وعن الوحي الذي يأتيه وعن الرسالة التي يحملها إلى العرب خاصة، والى الناس كافة وسأل طلحة أول ما سأل أبي بكر فعلم أنه عاد مع قافلته وتجارته من زمن غير بعيد، وأنه يقف إلى جوار محمد مؤمناً منافحاً، أوّاباً وحدّث طلحة نفسه: محمد، وأبو بكر تالله لا يجتمع الاثنان على ضلالة أبدا ولقد بلغ محمد الأربعين من عمره، وما عهدنا عليه خلال هذا العمر كذبة واحدة أفيكذب اليوم على الله، ويقول: أنه أرسلني وأرسل إليّ وحيا..؟؟ وهذا هو الذي يصعب تصديقه.

وأسرع طلحة الخطى ميمماً وجهه شطر دار أبي بكر ولم يطل الحديث بينهما، فقد كان شوقه إلى لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم ومبايعته أسرع من دقات قلبه فصحبه أبو بكر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث أسلم وأخذ مكانه في القافلة المباركة وهكذا كان طلحة من المسلمين المبكرين.

جهاده :

- في غزوة بدر
هاجر طلحة إلى المدينة حين أمر المسلمون بالهجرة، ثم شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، عدا غزوة بدر، فان الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد ندبه ومعه سعيد بن زيد لمهمة خارج المدينة.

ولما أنجزاها ورجعا قافلين إلى المدينة، كان النبي وصحبه عائدين من غزوة بدر، فآلم نفسيهما أن يفوتهما أجر مشاركة الرسول صلى الله عليه وسلم بالجهاد في أولى غزواته.

بيد أن الرسول أهدى إليهما طمأنينة سابغة، حين أنبأهما أن لهما من المثوبة والأجر مثل ما للمقاتلين تماما، بل وقسم لهما من غنائم المعركة مثل من شهدوها.

-في غزوة أحد
روى الترمذي بإسناد حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد : أوجب حمزة أي وجبت له الجنة
و في رواية : أوجب طلحة حين صنع برسول الله ما صنع
وتجيء غزوة أحد لتشهد كل جبروت قريش وكل بأسها حيث جاءت تثأر ليوم بدر وتؤمّن مصيرها بإنزال هزيمة نهائية بالمسلمين، هزيمة حسبتها قريش أمرا ميسورا، وقدرا مقدوراً ودارت حرب طاحنة سرعان ما غطّت الأرض بحصادها الأليم.. ودارت الدائرة على المشركين.

ثم لما رآهم المسلمون ينسحبون وضعوا أسلحتهم، ونزل الرماة من مواقعهم ليحوزوا نصيبهم من الغنائم وفجأة عاد جيش قريش من الوراء على حين بغتة، فامتلك ناصية الحرب و زمام المعركة واستأنف القتال ضراوته وقسوته وطحنه، وكان للمفاجأة أثرها في تشتيت صفوف المسلمين .

وأبصر طلحة جانب المعركة التي يقف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألفاه قد صار هدفا لقوى الشرك والوثنية، فسارع نحو الرسول وراح رضي الله عنه يجتاز طريقاً ما أطوله على قصره..! طريقا تعترض كل شبر منه عشرات السيوف المسعورة وعشرات من الرماح المجنونة.

ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعيد يسيل من وجنته الدم و ويتحامل على نفسه، فجنّ جنونه، وقطع طريق الهول في قفزة أو قفزتين وأمام الرسول وجد ما يخشاه.. سيوف المشركين تلهث نحوه، وتحيط به تريد أن تناله بسوء ووقف طلحة كالجيش اللجب، يضرب بسيفه البتار يميناً وشمالاً ورأى دم الرسول الكريم ينزف، وآلامه تئن، فسانده وحمله بعيداً عن الحفرة التي زلت فيها قدمه .

كان يساند الرسول عليه الصلاة والسلام بيسراه وصدره، متأخرا به إلى مكان آمن، بينما بيمينه، بارك الله يمينه، تضرب بالسيف وتقاتل المشركين الذين أحاطوا بالرسول، وملؤا دائرة القتال مثل الجراد ولندع الصدّيق أبا بكر رضي الله عنه يصف لنا المشهد تقول عائشة رضي الله عنها .

كان أبو بكر اذا ذكر يوم أحد يقول: ذلك كله كان يوم طلحة.. كنت أول من جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي الرسول صلى الله عليه وسلم ولأبي عبيدة بن الجرّاح: دونكم أخاكم.. ونظرنا وإذا به بضع وسبعون بين طعنة.. وضربة ورمية.. وإذا أصبعه مقطوع فأصلحنا من شأنه.

كرمه :

كان طلحة رضي الله عنه من أكثر المسلمين ثراء، وأنماهم ثروة وكانت ثروته كلها في خدمة الدين الذي حمل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رايته كان ينفق منها بغير حساب وكان الله ينمّيها له بغير حساب.

لقد لقّبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ طلحة الخير، وطلحة الجود، وطلحة الفيّاض إطراء لجوده المفيض. وما أكثر ما كان يخرج من ثروته مرة واحدة، فاذا الله الكريم يردها إليه مضاعفة.

اضافة تعليق