كيف أبكى جعفر بن أبي طالب النجاشي؟

ما لم تعرفه عن ذي الجناحين وقصة استشهاده

الإثنين، 04 يونيو 2018 11:59 ص
ما لم تعرفه عن ذي الجناحين وقصة استشهاده


عندما هاجر بعض المسلمين إلى الحبشة هربًا من تعذيب المشركين لهم ووقف جعفر بن أبي طالب بين يدي النجاشي. قال له: "أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام".

فعدد جعفر بن أبي طالب على النجاشي، أمور الإسلام ثم قال: "فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك".

 فقال له النجاشي: "هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟" فقال له جعفر: "نعم". فقال له النجاشي: "فاقرأه عليّ". فقرأ عليه آيات من سورة مريم، فبكى النجاشيّ حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم. ثم قال النجاشي: إن هذا -والله- والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة.

ذو الجناحين جعفر بن أبي طالب
كان جعفر بن أبي طالب ابن عم النبي صلّ الله عليه وسلم كريمًا جوادًا ، وكان معروفًا بالزهد والتواضع يحب الفقراء والمساكين ، ويجالسهم ويحب أن يكون في خدمتهم ويرعاهم ويمد يد العون لهم ، ويخرج للمسكين ما في بيته ولا يبخل عليهم بشيء ، وقد سماه النبي أبا المساكين لبره وإحسانه إليهم .

كان جعفر أكبر من أخيه علي بن أبي طالب بعشر سنين ، وحينما بدأ النبي صلّ الله عليه وسلم يدعو قومه إلي الإسلام ، كان جعفر من أوائل الذين أسلموا ، فقد أسلم بعد خمسة وعشرين رجلًا ، وكان جعفر يشبه النبي في شكله وفي خلقه ، لذلك كان قريبًا من قلب النبي .

وكان النبي يحبه ويقول له : أشبهت خلقي وخُلقي، وحينما بدأت الدعوة الإسلامية تنتشر في مكة، أحس الكفار بالخوف من انتشار الإسلام ، فأخذوا يعذبون المسلمين ويؤذون النبي وأصحابه ، فقال النبي صلّ الله عليه وسلم لهم : إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم أحد عنده ، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا.

ودعاهم إلى الهجرة إلى الحبشة ، فهاجر جعفر مع جماعة من المسلمين إلى الحبشة ، وهاجرت معه زوجته أسماء بنت عميس التي أسلمت في مكة منذ بداية الدعوة ، واشتد غضب الكفار من المسلمين وعلموا بهجرتهم إلى الحبشة ، فأرسلوا إلى النجاشي ملك الحبشة عمرو بن العاص وعمار بن الوليد ، وذلك قبل أن يدخلا الإسلام ومعهم هدايا إلى النجاشي ، لكي يطلبوا منة تسليم المسلمين الذين هاجروا إلى بلاده.

وحينما دخل عمرو وعمارة علي النجاشي قدما له الهدية ، وسجدا له وقال عمرو له : إن أناسا من أرضنا تركوا ديننا وفروا إلى أرضك ، وقد جئنا لنحذرك منهم فهم خطر عليك وعلي ملكك ، فبعث النجاشي جنوده ليحضروا المسلمين ، فحضر جعفر وأصحابه فلما دخلوا أشار عمرو قائلًا : إنهم لا يسجدون لك أيها الملك ، فقال لهم القسيسون والرهبان اسجدوا للملك ! فقال جعفر نحن لا نسجد إلا لله عز وجل فتعجب النجاشي وقال لماذا ؟!، فقال له جعفر ما قاله وأبكاه.

ثم التفت النجاشي إلى جعفر وأصحابه وقال لهم : أمكثوا في أرضي ما شئتم فأنتم أمنون علي دينكم وأنفسكم ، فوالله لا أسلمكم إليهم أبدًا ، وأمر لهم بطعام وكسوة ، ثم قال لأتباعه ردوا علي هذين هديتهم! فأعادوا إلى عمرو وعمارة هديتهما فرجعا إلى مكة خائبين ، وأسلم النجاشي وأسلم معه أتباعه ، وعاش جعفر في الحبشة اثني عشر عامًا ورزق بعبد الله ، ومحمد ، وعون.

وفي العام السابع للهجرة  ترك جعفر الحبشة إلى المدينة ، وحينما قدم علي النبي كان النبي عائدًا من غزوة خيبر بعد أن فتحها الله عليه ، فلما رآه النبي تلقاه وعانقه وقبله بين عينيه ، وقال والله ما أدري بأيهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر .

وحينما انطلق جيش المسلمين إلى غزوة مؤتة سار علي رأس المعركة زيد بن حارثة ، وكان جعفر بن أبي طالب نائبًا له، وكان متشوقا للجهاد ذو شجاعة منقطعة النظير، وقاتل زيد حثي استشهد وهو يحمل راية الجهاد، ورأي جعفر ذلك ووجد أن الراية تسقط من زيد ، فأسرع وأمسك بها واندفع نحو صفوف الأعداء وهو ينشد بصوت عال :

يا حبذا الجنة واقترابها …طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها…علي إن لاقيتها ضرابها

فتحمس المسلمون وشعروا بقرب النصر ، وأخذوا يحصدون رؤوس الأعداء بسيوفهم ، أحس الروم أنهم لن يستطيعوا أن ينتصروا علي المسلمين إلا إذا قتلوا ذلك القائد الشجاع ، فانطلق فرسان الروم نحو جعفر كل منهم يريد قتله ، وكان جعفر يمسك الراية بيده اليمنى ، فضربه أحدهم فقطع يده اليمنى ، فأمسك الراية بيده اليسرى فقطعوها أيضا ، فاحتضن جعفر الراية حتى لا تسقط وتفرق جنوده ، فطعنه أحدهم برمح فنفذ منه.

فتحامل جعفر علي نفسه والرمح يخترق جسده ، وألقى بنفسه علي قاتله فاخترقه الرمح فهلك، واستشهد جعفر، فألهب استشهاده حماس المسلمين وقاتلوا قتالًا شديدًا وأظهروا فدائية عظيمة، وبعد أن انتهت المعركة بحث المسلمون عن جعفر بين القتلى، فوجدوا به بضعة وتسعين جرحًا ما بين ضربة سيف ورمية سهم، وطعنة رمح وكان عمره يوم استشهد نحو أربعين سنة.

وأوحى الله إلى النبي صلّ الله عليه وسلم بما حدث لجعفر ، فأمر النبي أن ينادي في الناس فأقبل المسلمين ، فصعد النبي إلى المنبر وأخبرهم باستشهاد زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب ، وقال لهم رأيت جعفر يطير في الجنة مع الملائكة وسماه النبي ذا الجناحين لأن الله عوضه عن يديه بجناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء .



اضافة تعليق