روشتة لمقاومة الفتور والملل من العبادة خلال رمضان

الإثنين، 04 يونيو 2018 11:39 ص
هل تخشى

بعد أن تجاوزنا أكثر من نصف شهر رمضان المبارك، وهو الشهر الذي خصه الله عز وجل بفضل عظيم، هناك من يصيبه الملل والفتور في المواظبة على العبادات والطاعة، فكيف نحافظ على حماسنا طوال هذا الشهر الكريم؟.

لاشك أن طريق الجنة محفوف بالشهوات والهوى والشياطين، وكلها معوقات في طريق التقرب إلى الله عز وجل، لذا كان لزاما علينا أن نعرف صفات هذه الشرور لتجنبها، ومنها بلاشك «الفُتور والسأم والملل»، وهي من أعظم ما يعتري السالكين إلى طريق الله، مما قد يتسبب في النكوص، والعياذ بالله، وغالب شأن هذا الفتور من كثرة الفرح بالطاعة، وعدم الشكر عليها، وعدم رؤية مِنَّة الله فيها، ومشاهدة النَّفس في أدائها. قال ابن القيِّم - رحمه الله - واصفًا ومحلِّلاً ومُعالجًا لهذا الدَّاء: فإذا نَسِي السَّالكُ نفْسَه، وفَرِح فرحًا لا يُقارنه خوف، فلْيَرجع إلى السَّير إلى بدايات سُلوكه وحِدَّة طلبه؛ عسى أن يعود إلى سابقِ ما كان منه من السَّيْر الحثيث الذي كانت تسوقه الخشية، فيترك الفُتور الذي لا بُدَّ أن ينتج عن السُّرور. 

تخلُّل الفترات للسَّالكين أمرٌ لازم لا بُدَّ منه، فمن كانت فترتُه إلى مُقارَبةٍ وتسديدٍ، ولم تُخْرِجه مِن فرض، ولم تُدْخِله في محرَّم: رُجِيَ له أن يعود خيرًا مما كان، وقال عمر بن الخطاب: إنَّ لهذه القلوب إقبالاً وإدبارًا، فإذا أقبلَتْ فخُذوها بالنَّوافل، وإن أدبرَت فألزِموها الفرائض.

وفي هذه الفترات التي تقطع طريق السالكين، يتبيَّن الصادق من الكاذب، فالكاذب ينقلب على عقِبَيه، ويعود إلى طبيعته وهواه، والصادق ينتظر الفرَج، ولا يَيْئس من رَوْح الله، ويُلقي نفسه بالباب طريحًا ذليلاً، مِسكينًا مُستكينًا، وقد أخبر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ((إنَّ لكل عامل شِرَّة، ولكلِّ شِرَّة فَترة))، فالطالب الجادُّ لا بدَّ من أن تَعْرِض له فترة، فيشتاق في تلك الفترة إلى حالِه وقْتَ الطلب والاجتهاد، وربما كانت للسَّالك بدايةٌ ذات نشاط، كان فيها عالِيَ الهمة، فيفيده عند فتوره أن يَرْجع إلى ذكريات تلك البداية، فتتجدَّد له العزيمة، ويعود إلى دأبه في الشُّكر.

أما إذا راودك السأم في عبادتك - كصلاةٍ أو ذِكْر أو تلاوة قرآن - فلا تُرسل زمام هواك للشيطان، محتجًّا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((فوالله، إنَّ الله لا يَملُّ حتى تملُّوا)).

ومن قُطَّاع الطَّريق إلى الله: الوساوِسُ والخواطر الرَّديئة التي تَرِد على السَّالك طريقَ الآخرة، وتشمل هذه الخواطرُ الرديئة ما يَرِدُ على المبتلَيْن بالشَّهوات من التفكير في الصُّوَر، وفيما يعشقون، ومن يَهْوون... وكذا أصحاب الحِقْد والحسد، والأمراض القلبيَّة، والآفات النَّفْسية، وكلُّها انحرافات سلوكيَّة تأخد المؤمن بعيدًا عن العبادات.

ويلمس ابن القيِّم - رحمه الله - مَكمن الداء، ويَصِفه وصفًا دقيقًا، ثم يقترح العلاج المناسب، فيقول: "واعلم أنَّ الخطرات والوساوس تؤدِّي متعلّقاتها إلى الفكر، فيأخذ الفِكْرُ فيؤدِّيها إلى التذكُّر، فيؤديها إلى الإرادة، فتأخذها الإرادة إلى الجوارح والعمل، فتستحكم، فتصير عادة، فردُّها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوَّتِها وتمامِها، ومعلومٌ أنه لم يُعطَ الإنسان إماتة الخواطر، ولا القوَّة على قطعها وهي تَهْجم عليه هجوم النفس، إلاَّ أن قوة الإيمان والعقل تعينه على قبول أحسنها، ورضاه به، ومُساكنته له، على رفع أقبحها، وكراهته له، ونفرته منه، كما قال الصحابة: يا رسول الله، إنَّ أحدنا يجد في نفسه ما لأَنْ يحترق حتى يصير حممةً أحبُّ إليه من أن يتكلَّم به، فقال: ((أوَقدْ وجدتُموه؟)) قالوا: نعَم، قال: ((ذاك صريح الإيمان))، وفي لفظ: ((الحمد لله الذي ردَّ كيده إلى الوسوسة)).

وعلى المرء أيضًا دوام ذكر الله، وتذكر الدار الآخرة، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى ذلك، فقال: اذكر الموت في صلاتك، فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحري أن يحسن صلاته، و صل صلاة رجل لا يظن أنه يصلي صلاة غيرها.

وحاول أن تضع برنامجًا للنوافل يمكنك الدوام عليه، فانتقل من طلب العلم لصلاة النفل وللأذكار، ثم روّح بما تيسر من صلة الرحم والتزاور في الله والسعي في نفع الناس، وفي الصحيحين من حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم: دخل عليها وعندها امرأة، قال: من هذه؟ قالت: فلانة، تذكر من صلاتها، قال: مه! عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما دام عليه صاحبه.

 جاء في فتح الباري لابن حجر: قال النووي: بدوام القليل تستمر الطاعة بالذكر والمراقبة والإخلاص والإقبال على الله بخلاف الكثير الشاق، حتى ينمو القليل الدائم، بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافاً كثيرة.

وقال ابن الجوزي: إنما أحب الدائم لمعنيين: أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، فهو متعرض للذم، ولهذا ورد الوعيد في حق من حفظ آية ثم نسيها وإن كان قبل حفظها لا يتعين عليه.

 ثانيهما: أن مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب في كل يوم وقتاً ما، كمن لازم يوماً كاملاً ثم انقطع.

اضافة تعليق