مفتي مصر يحسم جدلية توقيت صلاة الفجر وبدء الصيام

الأحد، 03 يونيو 2018 01:10 م
520172613451128780548


حسم الدكتور شوقي علام، مفتي الديار المصرية الجدل المثار حول توقيت صلاة الفجر في مصر، ردًا على الزعم بخطأ توقيتها مقارنة بتوقيت مكة المكرمة.


وقال علام في رد مطول نشرته دار الإفتاء المصرية، إن "الحق الذي يجب المصير إليه والعمل عليه، ولا يجوز العدول عنه: هو أن توقيت الفجر المعمول به حاليًّا في مصر (وهو عند زاوية انخفاض الشمس تحت الأفق الشرقي بمقدار 19.5°) هو التوقيت الصحيح قطعًا، وأنه الذي جرى عليه العمل بالديار المصرية منذ القرون الإسلامية الأولى إلى يومنا هذا، وهو الذي استقر عليه عمل دار الإفتاء المصرية في كل عهودها، وهو ما كانت عليه مصلحة عموم المساحة المصرية منذ إنشائها سنة 1898م، ثم استمرت على ذلك بعد إنشاء الهيئة المصرية العامة للمساحة سنة 1971م".

وأشار إلى أن هذا "هو ما استقر الموقتون وعلماء الفلك المسلمون عبر الأعصار والأمصار، ودلت عليه الأرصاد الصحيحة المبنية على الفهم الصحيح للفجر الصادق في النصوص الشرعية، وأن ما بين درجتي: 18°، و19.5° من انخفاض الشمس تحت الأفق الشرقي هو التوقيت الصحيح للفجر الصادق المتفق على اعتماده والعمل به في كل بلدان العالم العربي والإسلامي بلا استثناء".

وأوضح أن "هذا التوقيت للفجر الصادق مبني على أن وقته يبدأ من أول ظهور لعلامته، وعلامته الدقيقة المنضبطة: هي أن يظهر ضوؤه ويبزغ خيطًا دقيقًا معترضًا في الأفق الشرقي مختلطًا بظلمة آخر الليل، وإنما يكون ذلك في نطاق هذا المدى من الانخفاض الزاويّ لا بعد ذلك، وما يستتبعه ذلك من طول نسبيٍّ لوقت الفجر إلى شروق الشمس".

وقال إن "هذا هو ما دلَّت عليه نصوص الوحيين: من القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة القولية والفعلية، وأخذه الصحابة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وطبقوه قولًا وعملًا، وبه جاءت الآثار المتكاثرة عنهم رضي الله عنهم، وعنهم أخذه السلف الصالح قاطبة".

وأضاف: "بذلك جاء كلام العرب الفصحاء الذين نزل القرآن بلغتهم، وبتأييده أتت نصوص أهل اللغة، وهذا هو الذي أجمع على تحريره واتفق على القول به فقهاء المسلمين على اختلاف مذاهبهم وتعدد مشاربهم، وضبطوه بوسائلهم المتنوعة التي لا تبقى في تحديده طعنًا لطاعن، ولا ريبة لمتشكك، ولا مدخلًا لمشكِّك: بالوصف الدقيق لضوئه الصادق، وعن طريق منازل القمر، وعن طريق غروب القمر وطلوعه ليلتين من الشهر، وبحساب الساعات الفلكية المستوية، والساعات الزمانية، ودرجاتهما".

وأشار إلى أنه "على ذلك أجمع المتخصصون من علماء الفلك والهيئة والموقتين المسلمين عبر القرون المتطاولة من غير خلاف؛ فاتفقوا على حساب زاوية انخفاض الشمس تحت أفقه الشرقي فيه: ما بين درجتي 18°، و20°؛ حيث حرروا ذلك بمراصدهم العظيمة؛ جماعات وفرادى، من غير زيادة على هذا المدى أو نقص عنه، وقد استقر راصدوهم، ومحققوهم في القرن الثامن الهجري وما بعده على اعتماد درجة 19° ونقلوا الاتفاق على ذلك، ونصوصهم على ذلك أكثر من أن تحصر، ونصوا على أن اعتماد علماء الفلك العرب والمسلمين هذه الدرجة، أما علماء الفلك الأوروبيون فقد اعتمدوا درجة 18°".

وذكر مفتي الديار المصرية، أن التقويم الفلكي المصري القديم والحديث، "قام به في الأصل علماء أجلاء جمعوا بين العلوم الشرعية والفلكية، وكذلك غيره من تقاويم بلاد المسلمين، وهو الذي اعتمده الفلكيون العرب والأوربيون وغيرهم في العصر الحديث، وبه أخذت تقارير الهيئات الفلكية، والمؤسسات الرصدية المتخصصة المعتمدة في علوم الفلك؛ في البلاد العربية والإسلامية، بل وفي دول العالم كله".

وتابع: "أما ما يُدَّعَى من أن وقت الفجر هو على درجة 16.5°؛ فمحض تخرص لا صحة له، فضلًا عن أن يكون على درجة 14.7°، بل ذلك شذوذٌ محضٌ خارج عن إجماع الأمة العملي المتوارث جيلًا عن جيل، واتفاق علمائها وفقهائها وموقتيها، ولا يجوز الأخذ به ولا التعويل عليه".

وقال إن "مبعث الشذوذ والخلل في هذه المزاعم: أنها إما مبنية على أرصادٍ تمت في أماكن غير مناسبة؛ بسبب ضوء القمر أو الضوء الصناعي، أو عدم صفاء الأفق، أو انتشار التلوث في الجو، ونحو ذلك، أو لأنها بُنِيَت على اشتراط أن يعم الضياء الأفق وأن يظهر بياض النهار في السماء ظهورًا يمحو كل خيط أسود فيها: حتى يصح كون الفجر صادقًا، وإلا كان كاذبًا!! وهو شرط مبتدَعٌ مخترعٌ لم يُسبَق إليه أصحابُه، ولا يُنسَب لغير منتحليه، ولا علاقة له بالفجر الصادق الذي نزل بتحديده القرآن الكريم، وأوضحته السنة المطهرة، وفهمه الفقهاء، وأطبقت عليه الأمة الإسلامية جمعاء".

ودلل من القرآن الكريم بأنه "بيَّن الله سبحانه وقتَ الفجر الذي يجب عنده الإمساك عن المفطرات في الصوم في كتابه الكريم بقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187].

وفسَّره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ» متفق عليه من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.

واعتبر أن "هذا يدل على صحة التوقيت المعمول به من وجهين:
الوجه الأول: أن وصف طلوع الفجر بالخيط الأبيض يدل على بقاء الظلمة؛ فإن الضوء إذا أسفر ورآه كل أحد وملأ الأفق أمام الناظرين لا يُسَمَّى خيطًا.
الوجه الثاني: أن ذكر "التَّبَيُّن" في الآية دليل على تكلُّف الطلب والبحث والنظر؛ فإن صيغة "تفعَّل" تأتي في اللغة للطلب والتكلُّف، كما أن المقابلة بين الخيطين تدل على وجودهما معًا وقابلية حصول الالتباس بينهما، فإذا كان الضوء منتشرًا واضحًا لم تعد هناك حاجة لتبين أحدهما من الآخر؛ لحصول البيان حينئذ من غير كلفة ولا التباس".

كما دلل من السنة بأنه "بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها الفرق بين الفجر المستطير الصادق الذي يدخل به وقتُ صلاة الفجر والذي ينتشر ضوؤه معترضًا في أسفل الأفق يمينًا وشمالًا، وبين الفجر المستطيل الكاذب الذي هو كهيئة المخروط المقلوب:

فأخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَذَانُ بِلاَلٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الفَجْرُ» وقال بأصابعه ورفعها إلى فوق وطأطأ إلى أسفل «حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا»، وقال زهير -أحد رواة الحديث- بسبابتيه إحداهما فوق الأخرى، ثم مدها عن يمينه وشماله.

وأخرج الإمام أحمد ومسلم -واللفظ له- وأبو داود عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا بَيَاضُ الْأُفُقِ الْمُسْتَطِيلُ هَكَذَا، حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا" وَحَكَاهُ حَمَّادٌ -أحد رواة الحديث- بِيَدَيْهِ، قَالَ: يَعْنِي مُعْتَرِضًا.

2- ونزل جبريل عليه السلام فصلى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم الصلوات الخمس وقتين وقتين، مرة في أول وقت كل صلاة، ومرة في آخره، فكانت صلاة الفجر في أول وقته عند بداية ضوئه الصادق المختلط بظلمة آخر الليل، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه رضي الله عنهم:
فأخرج الإمام مسلم في "صحيحه" من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، قال: فأقام الفجر حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا.-إلى أن قال:- ثم أصبح فدعا السائل، فقال: "الْوَقْتُ بَيْنَ هَذَيْنِ".

وعلاوة على ذلك، قال إن هذا ما أقره علماء الفلك والهيئة من المسلمين عبر القرون، إذ "حرَّر علماء الإسلام الشرعيون والفلكيون أوقات الصلاة بحساباتهم الدقيقة، وأرصادهم المتتابعة، عبر القرون المتطاولة: تحريرًا منقطع النظير؛ بحيث لم يتركوا مزيدًا لمستزيد، ولا طلبًا لمستفيد؛ فإن هذه المواقيت تتعلق بركن الإسلام الأعظم "الصلاة"، التي هي عماد الدين، وقوام الملة، وتفننوا في ذلك تفننًا جعل غيرهم عالة على فوائدهم، وأكلة على موائدهم، وطلبة في معاهدهم".

وأضاف: "قد حرروا وقت الفجر تحريرًا لا مزيد عليه، وجعلوه حينما تكون الشمس تحت الأفق الشرقي ما بين درجتي: 18°، و20°، ولم يدَّع أحد منهم -في قديم الدهر ولا حديثه- درجةً أقل من ثمانية عشر، ولا أكثر من عشرين، ونصوا على أن ذلك هو المعروف بالتجربة والمعلوم بالرصد، وأن كون الفجر الصادق على الدرجة 19° هو الذي اعتمده محققو هذا العلم من الرُّصّاد وغيرهم، وأن ذلك هو المعول عليه والمعمول به، من قديمٍ حتى الآن، وهو الصحيح".

ومضى المفتي إلى القول إن "ما تتضمنه هذه الشائعات المضللة -ويردده البعض جهلًا- من رفض هذا التقويم بدعوى اعتماد أهل مصر فيه على توصية خبير أجنبي غير مسلم في أوائل القرن الميلادي الماضي: لا يعدو أن يكون وهمًا باطلًا، ورجمًا بالظن، وحدسًا لا حقيقة له، وهو إنما نتج عن البعد عن التراث العلمي الفلكي لعلماء المسلمين، والجهل بما كان عليه أهل مصر وغيرهم من بلدان العالم العربي والإسلامي قبل هذه التوصية بقرون، وبعدها بعقود، ولو كلَّف مثيرو هذه الشبهات أنفسهم عناء البحث والنظر لأدركوا أن هذه الدرجة هي التي كانت معتمدة عند علماء الهيئة والفلك بالأزهر الشريف وغيره من منارات العلم في الأمة الإسلامية، نظرًا وتطبيقًا، عند علماء الهيئة والفلك بمصر والأزهر الشريف، ولأدركوا أن العمل في مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي كان على ذلك قبل توصية الخبير الأجنبي، واستمر على ذلك بعدها، وأن صاحب التوصية الأجنبي لم يأت ببدع من البحث ولم يخترع رأيًا جديدًا من عند نفسه، بل لم يزد على أن أكَّد ما كان موجودًا بالفعل عند المتخصصين وأهل الهيئة وأصحاب التقاويم! بل أيدوا بذلك رأي علماء الفلك المسلمين المعتمد للدرجة التاسعة عشرة، على رأي علماء الفلك الأوروبيين المعتمد للدرجة الثامنة عشرة".

وشدد على أن "اعتماد درجة 19 ميقاتًا لأذان الفجر هو عمل أهل مصر قاطبةً منذ سالف الأزمان؛ كما نص عليه رئيس المؤذنين بالجامع الأموي بدمشق العلامة الفلكي علاء الدين أبو الحسن بن الشاطر [ت 777هـ] في كتابه "النفع العام في العمل بالربع التام"، وشيخ أهل الهيئة والميقات في زمنه بالديار المصرية العلامة الفلكي جمال الدين المارديني [ت 809هـ] في كتابه "الدر المنثور في العمل بربع الدستور"، وحفيده الفلكي العلامة مؤقت الجامع الأزهر بدر الدين سبط المارديني [ت 912هـ] في كتابه "حاوي المختصرات في العمل بربع المقنطرات".

اضافة تعليق