أعظم الشكر ما كان لله.. "وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ"

الأحد، 03 يونيو 2018 11:53 ص
فضل الشكر


 
"من لم يشكر العبد لا يشكر الله".. حديث صحيح وكلمات قالها خير البرية النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، ليوضح أهمية الشكر وفضله بين الناس.. والله عز وجل يذكرنا دائما بنعمِه العامة والخاصَّة، لنحمده عليها، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: 3]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: 7]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: 20].


وأخبرَنا – عزَّ وجل – أن النعمَ كلَّها مِنه؛ لنقوم بحقِّه – تبارك وتعالى – في العبادة والشُّكر، ونرغبَ إليه في الزِّيادة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53]، وقال تعالى:﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: 79].

فالحسنات تُصيبُ الإنسانَ تفضُّلٌ مِن الله ورحمةٌ مِن جميعِ الوُجُوه، والسيئاتُ بسببٍ مِن الإنسان، والله كتبَها وقدَّرَها، ولا يظلِمُ الربُّ – عزَّ وجل – أحدًا مِثقالَ ذرَّةٍ، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 251].

والناسُ يعلَمُون كثيرًا مِن النعم، ويجهَلُون أكثرَ النعَم. فكَم مِن نعمةٍ ساقَها الله إليك – أيها الإنسان – ومتَّعَك بها وأنت لا تشعُرُ بها؟! وكَم مِن شرٍّ ومُصيبةٍ دفعَها الله عنك وأنت لا تعلَمُها؟!

قال الله تعالى في حفظِ الإنسان: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾[الرعد: 11]، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 13].

والكثيرُ مِن أعضاء البدَن تقومُ بعملها لنفعِ البدَن وحياتِه، بغير إرادةٍ مِن الإنسان، قال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: 18].

ومَن لا يقدِرُ أن يُحصِيَ النعَم، فهو يجهلُ أكثرَها، ومَنَّ الله تعالى بالنِّعَم لتُسخَّرَ في طاعةِ الله وعبادتِه، وعِمارةِ الأرض وإصلاحِها، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾[النحل: 81]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78].

فشُكرُ النِّعَم هو باجتِماع أمورٍ: بمحبَّة المُنعِم – جلَّ وعلا – على نعمِه، والخُضُوع لله – سبحانه وتعالى – لما أنعمَ عليك، مع تيقُّن القلبِ أن كل نعمةٍ تفضُّلٌ وإحسانٌ على العبدِ مِن جميعِ الوُجُوه، لا يستحِقُّها العبدُ على الله، والثناءِ على الربِّ باللسانِ بهذه النِّعَم، والقَبُول لها بتلقِّيها بالفاقَةِ والفقرِ إلى الله، وتعظيمِ النِّعمة، واستِعمال النِّعَم فيما يُحبُّ الله – تبارك وتعالى – ويرضَى.

فمَن استخدمَ آلاءَ الله فيما يُحبُّ الله ويرضَى، وجعلَها عونًا على إقامة الدينِ في نفسِه، وأدَّى بها الواجِبات المفروضة عليه فيها بالإحسانِ إلى الخلقِ مِنها، فقد شكرَها. ومَن استخدمَ نعمَ الله فيما يُبغِضُ الله، أو منَعَ الحُقُوقَ الواجِبةَ فيها، فقد كفرَ النِّعَم.

وألا تُبطِرَه النِّعَم، ويُداخِلَه الغُرُور، ويُوسوِسَ له الشيطانُ بأنه أفضلُ مِن غيرِه بهذه النِّعَم، وأنه ما خُصَّ بها إلا لمزِيَّةٍ على مَن سِواه. وليعلَم أن الله يبتَلِي بالخيرِ والشرِّ؛ ليعلمَ الشاكِرين والصابِرِين، والإيمانُ نِصفُه شُكرٌ، ونِصفُه صبرٌ، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: 31].

وكتبَت عائشةُ – رضي الله عنها – لمُعاوية – رضي الله عنه -: “إن أقلَّ ما يجِبُ للمُنعِم على مَن أنعمَ عليه ألا يجعلَ ما أنعَمَ عليه سبِيلًا إلى معصِيَتِه”.
وفوقَ مرتبة الشُّكر على النِّعَم: الشُّكرُ على المصائِبِ والشُّرور، والحمدُ لله على المكرُوهات التي تُصيبُ المُسلم، والتي لا يقدِرُ على دفعِها.

وأهلُ هذه المنزِلة أولُ مَن يُدعَى لدخول الجنة؛ لأنهم حمَّادُون على كل حالٍ، وقد أمرَنا ربُّنا – عزَّ وجل – بشُكرِه فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]، وقال تعالى:﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6]، وقال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 172].

وقال النبيُّ – صلى الله عليه وسلم -: «أحِبُّوا اللهَ لما يغذُوكم به مِن نعمِه»؛ رواه الترمذي وصحَّحه مِن حديثِ ابن عباسٍ – رضي الله عنهما -.

وأعظمُ الشُّكر: الإيمانُ بربِّ العالمين؛ فهو شُكرُ نعمة رسالةِ مُحمدٍ – صلى الله عليه وسلم -، التي أرسلَه بها رحمةً للناس، ويأتي بعدَها شُكرُ كل نعمةٍ بخصُوصِها إلى أصغَر نعمةٍ، وليس في نعمِ الله صغِير.

وأعظمُ كُفرٍ للنِّعَم: الكُفرُ بالقرآن والسنة، ولا ينفعُ شُكرٌ لأي نعمةٍ مع الكُفر بالإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 5].

وقد وعدَ الله الشاكِرين بدوامِ النِّعَم وزيادتها وبركاتها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7].
والشاكِرُون هم الفائِزُون بخَيرَي الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 145].

والشاكِرُون هم النَّاجُون مِن عقوباتِ الدنيا وشُرُورها، ومِن كُرُبات الآخرة، قال الله تعالى في قصةِ قوم لُوط: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ [القمر: 34، 35].

والشُّكرُ مقامُ الأنبِياء والمُرسَلين – عليهم الصلاة والسلام – وعبادِ الله المُؤمنين، قال تعالى عن نُوحٍ – عليه الصلاة والسلام -: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: 3]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[النحل: 120، 121]، وقال تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 144].

وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: كان النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – يقومُ مِن الليل حتى تتفطَّر قدَمَاه، فقالت: يا رسولَ الله! تقومُ مِن الليل حتى تتفطَّر قدَمَاك، وقد غفرَ الله لك ما تقدَّمَ مِن ذنبِك وما تأخَّرَ؟! قال: «أفلا أكونُ عبدًا شَكُورًا؟!»؛ رواه البخاري ومسلم.

والشاكِرُون هم أهل نعمِ الله الذين يخُصُّهم بما لا يخُصُّ غيرَهم، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: 53].

والشاكِرُون هم خاصَّةُ الله مِن خلقِه، لذلك كانُوا قليلًا، قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾[سبأ: 13].

أيها الشاكِر! دُم على الشُّكر والاستِقامة؛ فمَن وفَّى مع الله وفَّى الله له، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: 40].

اضافة تعليق