أدب التعبّد لله بأسمائه وصفاته

السبت، 02 يونيو 2018 12:37 م
أدب التعبّد لله بأسمائه وصفاته

 
لاشك أننا في كل لحظة في ضرورة عُظمى إلى ربِّنا العظيم الأحد الصَّمد، وإلى أن نلجأ إليه تعبُّدًا ودُعاءً، تضرُّعًا ومحبَّةً وإخلاصًا، خوفًا وطمعًا.. كَم نحن في ضرورة قُصوَى إلى أن ندعُوَه في الرَّخاء والشدَّة، وأن نرجُوَه في النَّعماء والضرَّاء، وأن نتضرَّعَ إليه – سبحانه -، وأن نفزَعَ إلى جنابِهِ، خاصَّةً ونحن تشتَدُّ بأمَّتِنا الكُروبُ مِن كل جانب، حينئذٍ ننعَمُ بالمقاصِدِ العالِية، والمطالب الجَزِيلَة في الدنيا والآخرة.
 
والإيمانُ بأسماءِ الله الحُسنى وصِفاتِه العُلَى أحدُ أقسامِ التوحِيدِ، وهو مِن مُقتضَيَات الإيمانِ بالله – جلَّ وعلا -، العلمُ بها ومعرفتُها، والتعبُّدُ لله – جلَّ وعلا – بها له منزلةٌ عُظمَى، ومكانةٌ كُبرى.
 
كم نحن على مستوى الأفراد والشعُوب، كم نحن في حاجة ماسَّة إلى أن نُفرِّغَ قُلوبَنا مِن غيرِه – سبحانه وتعالى – لنلجَأَ إليه وحدَه بأسمائِه الحُسنَى، وصِفاتِه العُلَى، كما قال – سبحانه -: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: 65].
 
والمُؤمنُ يُثبِتُ لله – جلَّ وعلا – ما أخبَرَ به – سبحانه – عن نفسِه، وما أخبَرَ به عنه رسولُه – صلى الله عليه وسلم – مِن الأسماءِ الحُسنَى والصِّفاتِ العُلَى، يُؤمنُ المُؤمنُ بذلك بلا تشبيهٍ بصِفاتِ خَلقِه، ولا تكييفٍ لها تكييفَ المُشبِّهة، وبدُون تحريفٍ للكلِمِ عن مواضِعِه.
والمُؤمنُ كذلك يُنزِّهُ اللهَ – جلَّ وعلا – ويُقدِّسُه تنزِيهًا عن النقائِصِ والعيُوبِ بلا تعطيلٍ، بل نفيٌ لما نفَاه عن نفسِه، ونفاه عنه رسولُه – صلى الله عليه وسلم – النفي المُتضمِّنُ لكمالِ صِفاتِه، النفيُ المُجمَلُ المُتضمِّنُ ثُبوتَ كمال ضدِّ الصِّفات المنفيَّة.
ففي قولِه تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: 3] نُؤمنُ ونُثبِتُ بكمال علمِه، وفي مثلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: 38] نُثبِتُ ونُؤمنُ بكمالِ قُدرتِه.
 
إيمانٌ وفقَ ما نطقَت به النُّصوصُ الشرعيَّة مِن غير تحريفٍ ولا تكييفٍ، ولا تعطيلٍ ولا تشبيهٍ ولا تمثيلٍ، فليس كمثلِه شيءٌ في ذاتِه ولا في صِفاتِه ولا أفعالِه، بل هو الكامِلُ الكمالَ المُطلَقَ في أوصافِه وأسمائِه وأفعالِه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
 
قال ابنُ عبد البَرِّ – رحمه الله -: “أهلُ السنَّة مُجمِعُون على الإقرارِ بالصِّفاتِ الوارِدةِ في القُرآن الكريم والسنَّة، والإيمانِ بها، وحملِها على الحقيقةِ لا على المجازِ، إلا أنَّهم لا يُكيِّفُون شيئًا مِن ذلك، ولا يحُدُّون فيه صِفةً محصُورة”.
 
سُئِلَ مالِكٌ – رحمه الله – عن قولِه تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] كيف استَوَى؟ فقال: “الاستِواءُ معلُومٌ، والكَيفُ كجهُول، والإيمانُ به واجِبٌ، والسُّؤالُ عنه بِدعةٌ” وهو مرويٌّ عن أمِّ سَلَمة، وعن شيخِه ربِيعَة.
أسماؤُه الحُسنَى – جلَّ وعلا -، وصِفاتُه العَلَى هي أساسُ عبادتِه – سبحانه – على الوجهِ اللائِقِ وتنزيهِهِ وحمدِه والثناءِ عليه، قال ربُّنا – جلَّ وعلا -: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180].
أي: الدُّعاء الشامِل لدُعاء العِبادةِ، ولدُعاء المسألةِ بأن يُدعَى في كل مطلُوبٍ بما يُناسِبُ ذلك المطلُوبَ، فيقُولَ مثلًا: اللهم اغفِر لِي وارحَمني إنك أنت الغفُورُ الرحيم، وتُبْ عليَّ يا توابُ، وارزُقنِي يا رزَّاقُ، والْطُفْ بِي يا لطِيفُ، وهكذا.
 
حينئذٍ – أيها المُسلمون – فإنَّ مِن أسمائِه – جلَّ وعلا -: الصَّمَد، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1- 4].
 
فإذا حاصَرَتك – أيها المُسلم – الحاجات، ودَهَمَت بك الخُطُوب، والتَفَّت مِن حولِك الهُمُوم فالْجَأْ إلى الأحَدِ الصَّمَد، فهو المقصُودُ في الرَّخاءِ والشدائِد، وهو وحدَه الذي يُقصَدُ ويُلجَأُ إليه عند الكُروبِ والرَّغائِب، هو المُستغاثُ به عند المصائِبِ، والمفزُوعُ إليه وقتَ النوائِبِ.
 
فيا مَن ضاقَت عليه السُّبُل، وصعُبَت عليه الحِيَل! اقصِد بابَ ربِّك، وانطَرِح بين يدَيه، فإذا ضاقَتْ بِكَ الأحوالُ يومًا، فثِقْ بالواحِدِ الفردِ العلِيِّ؛ فهو – سبحانه – اللَّطِيفُ بعبادِه، الذي أحاطَ علمُه بالسَّرائِرِ والخفايا، وأدرَكَ البواطِنَ والخبايا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج: 63]، ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف: 100].
اللَّطِيفُ الذي إذا أرادَ شيئًا هيَّأَ أسبابَه بكامِلِ اللُّطفِ وتمامِ الخفَاء، حتى إنه ليقَع ما يستَحِيلُ في العادةِ وقوعُه، هو ذو الكرَمِ المُتناهِي.

اضافة تعليق