الصيام مدرسة القوة والتغيير

الجمعة، 01 يونيو 2018 11:22 م
5201823132934103724197




ورد في الأثر عن عيسى عليه السَّلام أنَّه قال: "إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن لحيته وليمسح شفتيه وليخرج إلى الناس حتَّى كأنَّه ليس بصائم". وقيل أيضا: "ست من كن فيه استكمل الإيمان: قتال أعداء الله بالسيف، والصيام بالصيف، وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي، والتبكير في الصلاة في اليوم الغائم، وترك الجدال والمراء وأنت تعلم أنك صادق، والصبر على المصيبة".

هكذا كان السابقون يرون في الصيام علامة قوة وتحمل إذا ما تم فهم المقصد والإخلاص في الآداء، فإن المقصود من رمضان أن يكون مدرستنا لنخرج من مألوف العادات إلى حالة تغيير، فيصبح الشهر علامة فارقة في  حياتنا.

فالعبادة كما يعرفها بعض العلماء "طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية"، ومن كان شعاره في رمضان " لن يسبقني إلى الله أحد"، لا ينبغي أن  تكون عبادته  زيادة ركعات، وختمات، وذكر، زيادة كمية  تفتق تعميق معاني العبادات.

ومن تعميق معاني العبادات، ويعتبر رمضان فرصة لتنفيذها، أن تكون عبادتك ذات أثر عام، فمن علامات قبول العبادة أن تجد لها أثرا في نفسك ومن حولك، ففي الحديث:" لا يزال الله يغرس لهذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته، فالصحابة لم يكن همهم عدد الختمات في رمضان،  وإنما  " متى أكون من المحسنين"، " متى أتحقق بالإخلاص"، " متى يحبني الله "، كان يبكون في الدعاء، و لكنه ليس كبكاء تقصيرنا وعجزنا، فقد كان لخوفهم و بكاءهم معنى آخر وصفه أحدهم فقال"ليس الخائف من يبكي و يمسح دمعه و هو مرتكب للمعاصي، إنما الخائف الذي ترك الذنوب خوفا من ربه"،  و حتى ليلة القدر فقد أدركوا أنها تقيس قدرهم عند الله لذلك لا يحصل فضلها إلاَّ من وفقه الله لذلك بسعيه وحسن عمله، وقال ابنُ عطاء : (إذا أردت أن تعرف قدرك عند الله، فانظر فيما أقامك وفيما استخدمك وفيما أشغلك، فإن اشتغلت بالمعالي والمنفعة فقدرك عند الله عظيم( .

و كانوا يرون السعي في حاجات المجتمع مدخلهم على الله وبابهم إلى الجنة فقال علي بن أبي طالب: "إن الجنة لتساق إلى من سعى لأخيه المؤمن في قضاء حوائجه ليصلح شأنه على يديه، فاستبقوا النعم بذلك".

ومن معاني العبادة العميقة،  أن لا يكون اعمار المساجد في رمضان فحسب، فجيل الصحابة فهم من اعمار المسجد أن تكون الأرض كلها مسجدا في رسالته طيلة العام، فلا يكفي أن تكون طائعا قانتا متبتلا في مسجدك بينما يكون غيرك ساهيا لاهيا مذنبا خارج جدران المسجد لأنك لا تأمن بسكوتك عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أن يعمك الله بالبلاء و العقاب كما يعم المذنبين، فقد ورد في الحديث:  "إذا عُملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، و من غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها".

وأخيرا، إنه لا يتغير ولا يثبت على تعميق معاني العبادة في رمضان، بعد رمضان، إلا من كان قلبه معلق بربه حقا وصدقا دائما أبدا، لا برب رمضان.

لا يتغير ولا يثبت إلا من جعل رمضان بداية لها ما بعدها، وليس دورة عبادة تبدأ في رمضان وتنتهي بإنتهائه.

اضافة تعليق