تعرف على الآية التي شيبت النبي

الجمعة، 01 يونيو 2018 01:10 م
فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ


لقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بالثبات على هذا الدين القويم، والاستقامة عليه حتى الممات، وكان على رأس الخلق إمام الموحدين، وقائد الغر المحجلين سيد المرسلين المعصوم -صلى الله عليه وسلم- حيث قال الله له: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [هود: 112].

فاستقم كما أمرت. أحس -صلى الله عليه وسلم- برهبتها وقوتها حتى روي عنه أنه قال مشيراً إليها: "شيبتني هود وأخواتها".

فالاستقامة: هي الاعتدال والمضي على نهج الله دون انحراف، مع اليقظة الدائمة، والتدبر الدائم، والتحري الدائم لحدود الطريق المستقيم.

وقال أيضاً سبحانه وتعالى: ﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ [الشورى: 15].

كيف لا؟ وقد جعل الله لمن آمن بدينه حقاً، واستقام على طريقه صدقاً، الفضائل العظيمة، والمنازل الرفيعة، والدرجات العلا في يوم تزل فيه الأقدام، وتخف فيه الموازين، ولا شك أن الاستقامة من أعظم المسؤوليات، وأوجب الواجبات، التي كلفنا الله عز وجل بها، وأن على المرء أن يبذل جهده ويسأل ربه العفو والغفران إذا ما قصّر أو أخل في حياته بشيء منها، قال الله تعالى على لسان رسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم-: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ [فصلت: 6].

وقد أخبر - عليه الصلاة والسلام - أن الناس لن يعطوا الاستقامة حقها فقال: "استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" [رواه ابن ماجة في كتاب الطهارة: «277»، وصححه ابن حبان: «1037»].

وقد تنوعت أقوال سلف هذه الأمة في تعريفها، وما المراد منها؟ فها هو أعظم الخلق استقامة بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

أبو بكر الصديق -رضى الله عنه- يقول عنها: "الاستقامة أن لا تشرك بالله شيئاً"، ويقول الفاروق أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعلب".

ويقول ترجمان القرآن وحبر هذه الأمة ابن عباس - رضي الله عنهما -: استقاموا أي أدوا الفرائض، وحقيقة الاستقامة: السداد في جميع الأقوال والأعمال والمقاصد.

ومما يعين عباد الله على سلوك سبيلها ونيلها والتشرف بأن تكون من أهلها ما يلي:
أولاً الإخلاص لله تعالى:
فإن من أعظم الأصول المهمة في دين الله - تحقيق الإخلاص لله - إذ إنه حقيقة الدين، ومفتاح دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [البينة: 5].

وهو مما ينبغي للعبد المجاهدة فيه حتى يُرزق تمامه، سئل سهل بن عبد الله التستري - رحمه الله تعالى - أي شيء أشد على النفس؟ قال: الإخلاص، لأنه ليس لها فيه نصيب.

ثانياً: متابعة المعصوم -صلى الله عليه وسلم-: قولاً وفعلاً في كل ما يأتي الإنسان ويذر في حياته، فلا يكمن حب المسلم لرسوله – صلى الله عليه وسلم - إلا بمتابعته عليه الصلاة والسلام.

قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31].

ولا شك أن اتباع هدي المعصوم -صلى الله عليه وسلم- واقتفاء أثره في الأقوال والأعمال والأحوال طريقٌ جليل لنيل الاستقامة والثبات عليها، وحقٌ لمن فارق السنة أن يفارق الدليل، ومن فارق الدليل ضل عن سواء السبيل.

ثالثاً فعل الطاعات واجتناب المحرمات: فإن مما يعين العبد المسلم إلى الوصول إلى الاستقامة وتحقيقها محافظته على الطاعات فرائض كانت أو نوافل، وهي من أهمّ الوسائل التي تجلب للعبد محبة سيده ومولاه قال صلى الله عليه وسلم قال تعالى: "ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه" [رواه البخاري].

فإذا أحب الله عبداً أعانه وسدده ووفقه للاستقامة على دينه، كما أن اجتناب المعاصي والذنوب صغيرها وكبيرها جليِّها وخفيِّها له الأثر الكبير في تحقيق معنى الاستقامة، إذْ يقول النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم -: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه" [رواه أحمد من حديث أنس].

رابعاً: العلم: وأفضله بلا شك: علم الوحيين الكتاب والسنة، الذي هو أفضل القربات إلى الباري جل وعلا وهو تركة الأنبياء وتراثهم، وبه تحيا القلوب، وتُعرف الشرائع والأحكام، ويتميز الحلال والحرام، وهو الدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، وهو الصاحب في الغربة، والحديث في الخلوة، والأنيس في الوحشة، وبه يعرف العبد ربه، ويوحده ولا يعبد غيره ويأنس به ولا يلتجأ إلى سواه.

خامساً: مصاحبة الصالحين: إن من أهم ما يعين على الاستقامة مصاحبة الصالحين ومجالستهم وصدق الرسول -صلى الله عليه وسلم- يوم قال: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" [رواه أبو داود].

سادساً الدعاء: وهو السلاح الخفي للمؤمن، وحقيقته: إظهار العبد افتقاره إلى سيده ومولاه، وهو سمة من سمات المحسنين المستقيمين.


قال تعالى: ﴿ وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأعراف: 56].

اضافة تعليق