خشع الجبل وتشقق من ذكر الله.. فماذا عنك أيها الإنسان؟

الخميس، 31 مايو 2018 02:02 م
لقد خشع الجبل وتشقق من ذكر الله

 
جميعنا يدري حديث القرآن الكريم عن تشقق الجبل لو أنُزل عليه كلام الله، فبمجرد نزول القرآن عليه لو كان يعيه يتشقق ويخشع.. فمتى ونحن نستمع يوميًا إلى القرآن الكريم ونقرأه أيضًا تلين قلوبنا وتخشع لذكر الله، كما قال تعالى: "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ".
 
فعلى مدار التاريخ البشري كان الجبل مأوًى للعديد من المقاتلين، حتى مع تطوُّر الأسلحة وقوَّتها وشِدَّتها، بقِي الجبل من أعتى المقاومين، وما ذاك - والله أعلم - إلا لشدَّته وقسوته وصلابته؛ فهل يمكن أن يتصدَّع (يتشقَّق) هذا الجبل من كلمات؟.. نعم اقرأ معي قوله تعالى: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الحشر: 21]، قال القرطبي في تفسيره: "فإنه لو خُوطِب بهذا القرآن الجبالُ مع تركيب العقل فيها، لانقادتْ لمواعظه، ولرأيتَها على صلابتها ورزانتها خاشعةً مُتصدِّعةً؛ أي: مُتشقِّقةً من خشية الله".
 
لعلك لاحظتَ أربعة أمور ذكرتها الآية: خاشعًا (ذليلًا)، ومُتصدِّعًا (مُتشقِّقًا)، وواضحًا وظاهرًا؛ بحيث إنك تراه (لرأيته)، والتعليل أو السبب وهو "خشية الله".
 
فهي رسالة لمن نزل القرآن إليهم - وقد ركَّب فيهم خالِقُهم عقولًا تعي وتفهَم وتتدبَّر - أنكم لو تفكَّرتم في هذا القرآن لخشعتُم، وتشقَّقت قلوبُكم من خشية الله، وهذا من أكبر الدوافع نحو العمل الصالح والسعادة في الدارين، ورحم الله المفسِّر ابن كثير؛ حيث يقول: "إذا كانت الجبال الصُّمُّ لو سمِعَت كلامَ الله وفهِمتْه، لخشَعت وتصدَّعت من خشيته، فكيف بكم وقد سمِعتم وفهِمتُم؟!".
 
فكم نحتاج إلى تطبيق هذه المعاني، وتنزيلها عند قراءة القرآن، والاستماع إليه أثناء الصلوات المفروضة، والتراويح وصلاة القيام وخارجها، وهذا لا يوجد إلا في "رمضان فقط"؛ فشكرًا رمضان.
 
‏وعن ابن سِيرِين وغيره‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، وينظرون يميناً وشمالاً حتى نزلت هذه‏:‏ ‏{‏‏ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ‏}‏‏ الآية ‏[‏المؤمنون‏:‏1، 2‏]‏، فجعلوا بعد ذلك أبصارهم حيث يسجدون، وما رؤي أحد منهم بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض‏. ‏
 
وعن عطاء‏:‏ هو ألا تعبث بشيء من جسدك وأنت في الصلاة‏.‏ وأبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه‏"‏‏‏.
 
‏‏ ولفظ الخشوع إن شاء اللّه يبسط في موضع آخر‏.‏ وخشوع الجسد تَبَعُ لخشوع القلب، إذا لم يكن الرجل مرائيا يظهر ما ليس في قلبه، كما روي "تَعَوَّذُوا باللّه من خشوع النفاق‏"‏‏، وهو أن يرى الجسد خاشعاً والقلب خالياً لاهياً، فهو سبحانه استبطأ المؤمنين بقوله‏:‏ ‏{‏‏ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ‏}‏‏ ‏[‏الحديد‏:‏16‏]‏، فدعاهم إلى خشوع القلب لذكره وما نزل من كتابه، ونهاهم أن يكونوا كالذين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، وهؤلاء هم الذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً‏.
 
‏‏ وكذلك قال في الآية الأخرى‏:‏‏{‏‏ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ‏}‏‏ ‏[‏الزمر‏:‏23‏]‏، والذين يخشون ربهم، هم الذين إذا ذكر اللّه تعالى وجلت قلوبهم‏. ‏‏ فإن قيل‏:‏ فخشوع القلب لذكر اللّه وما نزل من الحق واجب‏. ‏‏ قيل‏:‏ نعم، لكن الناس فيه على قسمين‏:‏ مقتصد وسابق، فالسابقون يختصون بالمستحبات، والمقتصدون الأبرار‏:‏ هم عموم المؤمنين المستحقين للجنة، ومن لم يكن من هؤلاء، ولا هؤلاء، فهو ظالم لنفسه، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم "اللّهم، إني أعوذ بك من عِلْمٍ لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونَفْسٍ لا تَشْبَعُ، ودعاء لا يُسْمَع‏"‏‏‏.

اضافة تعليق