في شهر القرآن.. هكذا نتدبر آياته.. ونستلهم معانيه

الخميس، 31 مايو 2018 12:06 م
في رمضان.. هكذا نتدبر القرآن

 
رمضان شهر القرآن لاشك في ذلك.. ولكن كيف نجمع بين قراءة خير الكلام وتدبر معانيه؟.. فالقرآن الكريم لم ينزل لمجرد التلاوة اللفظية فحسب؛ بل نزل من أجل هذا ومن أجل ما هو أعم وأكمل؛ وهو فهم معانيه وتدبر آياته ثم التذكر والعمل بما فيه، وهو المنصوص عليه في قوله - تعالى -: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} [البقرة من الآية:129].
 
إن تلاوة كتاب الله - تعالى - تعني شيئاً آخر غير المرور بكلماته بصوت أو بغير صوت، إنها تعني تلاوته بفهم وتدبّر ينتهي إلى إدراك وتأثر، وإلى عمل بعد ذلك وسلوك. إن تلاوة كتاب الله لا تعني الحرص على إقامة المدّ والغنّة ومراعاة الترقيق والتفخيم فحسب؛ وإنما تعني ذلك مع ترقيق القلوب وإقامة الحدود. وقد عد شيخ الإسلام ابن تيمية المبالغة والحرص في تحقيق ذلك وسوسة حائلة للقلب عن فهم مراد الله - تعالى -.
 
والأمر الجامع لذلك: كما أننا مُتعبدُون بقراءة ألفاظ القرآن صحيحة وإقامة حروفه على النحو الذي يرضيه - جلّ وعلا - متعبدون بفهم القرآن والتفقه فيه دون سواه، والاستغناء به عن غيره. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». قال - تعالى -: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} [البقرة من الآية:121] وقد فسر قتادة أن الصحابة هم الذين كانوا يتلونه حق تلاوته. والتلاوة لها معنيان: أحدهما: القراءة المرتلة المتتابعة، وقد أمر الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} [النمل:91-92]. وكان يتلوه على كفار قريش قال - تعالى -: {قُل لَّوْ شَاءَ اللَّـهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ} [يونس من الآية:16]. والثاني: الاتباع؛ لأن من اتبع غيره يقال تلاه؛ ومنه قوله - تعالى -: {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} [الشمس:2]، روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: "يتبعونه حق اتباعه"، ثم قرأ: {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} أي: اتبعها.
 
ونقل القرطبي عن عكرمة قوله: "يتبعونه حق اتباعه باتباع الأمر والنهي فيُحلون حلاله، ويحرمون حرامه ويعملون بما تضمنه"، أقول: والجمع بين المعنيين هو المتعين، ويصح فيها جميعاً؛ فالتلاوة بإقامة الألفاظ وضبط الحروف، ثم العمل بما تضمنته الآيات المتلوة، وعبّر عن الفهم والتدبر بالتلاوة حق التلاوة ليرشدنا إلى أن ذلك هو المقصود من التلاوة، وليس مجرد التلاوة وتحريك اللسان بالألفاظ بدون فهم وفقه واهتداء.
 
وقد بين عبد الله بن مسعود رضي الله عنه معنى حق التلاوة فقال: "والذي نفسي بيده! إن حق تلاوته أن يُحِلَّ حلالَه، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأوَّل منه شيئاً على غير تأويله"، وهذا البيان من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه واسع وجامع لمعنى التلاوة، وهي قراءته كما أنزل، وفهمه وتفسيره والعمل به. ولهذا كان الصحابة - رضي الله عنهم - لا يتجاوزون خمس آيات أو عشراً حتى يعلموا ما فيهن من العلم والعمل. قال أبو عبد الرحمن السلمي - أحد أكابر التابعين -: "حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآنوالعلم والعمل جميعاً".
 
وروى الطبري بسنده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "كان الرجلُ منَّا إذا تعلمَ عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرفَ معانيهن والعمل بهن"، وهذا يدلُّ على أن الصحابة - رضي الله عنهم - نقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يتعلمون منه التفسير مع التلاوة؛ فبين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل من الآية:44] فنقل معاني القرآن عنه صلى الله عليه وسلم كنقل ألفاظه سواء، بدليل قوله - تعالى -: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور من الآية:54]، (وهذا يتضمن بلاغ المعنى، وأنه في أعلى درجات البيان). قال ابن القيم: "والصحابة - رضي الله عنهم - أخذوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم لفظ القرآن ومعناه".
 
وهكذا تلقى الصحابة - رضي الله عنهم - هذا القرآن لفظاً ومعنى، وكان التعلم والتعليم عندهم مبناهما على التفقه في القرآن دون سواه. ذكر الحافظ ابن كثير عن الضحاك فقال: "قال الضحاك في قوله - تعالى -: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران من الآية:79] قال: "حقٌّ على كل من تعلم القرآن أن يكون فقيهاً" ومعنى تَعْلَمون: تفهمون معناه، وقُرئ: تعلمون بالتشديد من التعليم وبما كنتم تدرسون تحفظون ألفاظه، والجمع بين القراءتين متعيَّن، فكانوا يَعْلَمونه ويُعلِّمونه ولا يكتفون بالعلم حتى يضموا إليه التعليم".
 
قال الرازي: "ودلّت الآية على أن العلمَ والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانياً؛ فمن اشتغل بذلك لا لهذا المقصد ضاع سعيُه وخاب عملُه". ونقل هذا المعنى رشيد رضا وقال: "فبعلم الكتاب ودراسته وتعليمه للناس ونشره والعمل به يكون الإنسان ربانياً مَرضِيّاً عند الله".
 
هكذا كان دأبُ الصحابة - رضي الله عنهم كما ذكره ابن القيم فقال: "ولم يكن للصحابة كتابٌ يدرسونه وكلامٌ محفوظ يتفقهون فيه إلاَّ القرآن وما سمعوه من نبيهم صلى الله عليه وسلم، ولم يكونوا إذا جلسوا يتذاكرون إلا في ذلك".
 
فكان القرآن عندهم هو العلمُ الذي به يعتنون حفظاً وفهماً وتفقهاً. وقد فسر حَبْرُ الأمة ابن عباس الحكمة بفهم القرآن وفقه ما فيه من علوم. أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله - تعالى -: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة من الآية:269] قال: "المعرفة بالقرآن: ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله". وفسرها الحافظ ابن كثير بالسنة وعزا ذلك إلى غير واحد من السلف وهو ما أُخِذَ عن الرسول صلى الله عليه وسلم سوى القرآن، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه».
 
ونزع ابن عباس في تفسيره للحكمة إلى المعرفة بالقرآن وفقه ما فيه من العلوم، وهو من أوسع التفسيرات، وهو لا ينافي من فسّر الحكمة بالسنة؛ لأن بها يحصل بيانُ القرآن وفهمُه وفقهُه؛ فهي المفسّرة والمبيّنة للقرآن، وتعني - من بين ما تعنيه - الفقه والفهم، يدلّ على ذلك قوله - تعالى -: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص من الآية:20].

اضافة تعليق