من نبوية للشيخة مبروكة.. كيف انتشر القرآن في بيوت المصريين قبل اختراع الإذاعة؟

الخميس، 31 مايو 2018 11:53 ص
من نبوية للشيخة مبروكة


إذا أدرت مؤشر الراديو ناحية إذاعة القرآن الكريم ستجد القرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار، في المحلات والبيوت المصرية، وقبل دخول الإذاعة كان المصريون يحبون القرآن، ويستقبلون مقرئي القرآن الكريم في بيوتهم كل يوم سواء في المناسبات الدينية أو المآتم أو الأفراح، أو حفلات الطهور والسبوع للصغار، حتى كانت قراءة القرآن مهنة يمتهن بها الآلاف من المصريين لإحياء حفلاتهم ومناسباتهم المختلفة، حتى أن المحلات والورش كانت تستفتح يومها باستئجار قارئ القرآن ليشدو بصوته بين العمال قبل أن يبدأ العمال في أعمالهم.

 

ووصل شغف المصريين بالقرآن الكريم، لدرجة أن بعض النساء امتهنت أيضا مهنة قراءة القرآن بين النساء في البيوت، خاصة وأن الحفلات لم تكن مختلطة في هذا الوقت، وكان النساء لهم حرم خاص باحتفالاتهم يسمى "الحرملك"، وكانوا أيضا يشهدون مناسباتهم المختلفة مثل الرجال بتلاوة القرآن.

 

ويقول الكاتب الراحل محمود السعدني في كتاب «ألحان السماء» ، الذي أصدره، عام 1959، متحدثًا خلاله عن فن قراءة القرآن الكريم، في 134 صفحة للحديث عن القارئات المصريّات: تاريخهن، وأبرزهن، وأسباب اختفائهن.

 

يقول «السعدني» أنّه «بموت السيدة نبوية النحاس العام 1973، انطوت صفحة رائعة من كتاب فن التلاوة والإنشاد الديني في العصر الحديث»، كاشفًا أنّها «آخر سيدة مصرية ترتل القرآن الكريم في الاحتفالات العامة وفي المناسبات الدينية وفي المآتم والأفراح وكان الاستماع إليها مقصورًا على السيدات». لافتاً في فصل «من الشيخة أم محمد إلى الشيخة كريمة العدلية»، إلى أن السيدة نبوية كانت واحدة من 3 سيدات اشتهرن بتلاوة القرآن الكريم ومعها السيدة كريمة العدلية والسيدة منيرة عبده.

 

تاريخ المقرئات في مصر

 

ويرجع انتشار قارئات القرآن في مصر بحسب السعدني إلى تقاليد الأسرة المصريّة. فمن بداية القرن العشرين، كانت تقاليد المآتم تقتضي بإقامة ثلاثة أيّام للرجال ومثلها للنساء، وكان لا بد من تواجد مقرئات لإحياء ليالي المآتم لدى السيّدات. مشيراً إلى أن أولئك المقرئات ينحدرن من مهن النياحة أو “المعدّدات” كما كان يطلق عليهن.

 

بعد ذلك، انتشرت أصوات المقرئات خارج المآتم أيضاً، وقرأت مقرئات مثل كريمة العدلية القرآن عبر الإذاعة المصريّة إلى جانب مقرئات أخريات قبل أن يتم إخماد أصواتهن. ففي عهد محمد علي، أحيت الشيخة أم محمد ليالٍ في قصور مسؤولي الدولة. لتشتهر بعدها الشيخة منيرة عبده التي كانت تتقاضى، بحسب السعدني، 5 جنيهات، في حين كان يتقاضى الشيخ محمد رفعت 10 جنيهات.

 

وبرزت من الأصوات النسائية الطيبة التي تجيد تلاوة القرآن الكريم بالإذاعة أمثال الشيخة منيرة عبده التي بدأت القراءة وعمرها 18عاماً، وكانت لها جماهيرية في العالم العربي لحسن أدائها. وكان أجرها قريباً من أجر مشاهير القراء آنذاك، وكذلك الشيخة كريمة العدلية التي لها بعض التسجيلات في الإذاعة، ولكن لا يعرف سبب مقنع لعدم إذاعتها، رغم أنها كانت ذائعة الصيت مع زوجها الشيخ على محمود الذي كان أيضاً أستاذاً للموسيقى العربية، علماً أنهن كانتا مكفوفات البصر. وسبقتهما الشيخة «أم محمد» التي كانت أشهر القارئات في عهد محمد علي، بل إنها كانت مقربة منه وتقرأ في المناسبات، مثل إحياء ليالي رمضان، والشيخة نبوية النحاس ذات الصوت القوي، وغيرهن من المقرئات اللواتي ظهرن في الإذاعة المصرية إلا أنه تم منعهن بسبب الفتاوى المتشددة بأن صوت المرأة عورة عقب الحرب العالمية الثانية، مما أدى إلى ذعر المسؤولين عن الإذاعة فتوقفوا عن إذاعتها“.

 

 

أم محمد

 

ظهرت أم محمد في عصر محمد علي، وكان من عادتها إحياء ليالي شهر رمضان الكريم في حرملك الوالي، كما كانت تقوم بإحياء ليالي المآتم في قصور قادة الجيش وكبار رجال الدولة. كانت أم محمد كانت موضع إعجاب الباشا محمد علي، وحصلت على العديد من الجوائز والهدايا، وأمر محمد علي بسفرها إلى إسطنبول لإحياء ليالي شهر رمضان المعظم في حرملك السلطانة، وماتت الشيخة أم محمد قبل هزيمة محمد علي ومرضه، ودفنت في مقبرة أنشئت لها خصيصًا في الإمام الشافعي، وجرت مراسم تشييع الجنازة في احتفال عظيم.

 

منيرة عبده

 

بدأت منيرة بالاشتهار في العام 1920 حين كانت تبلغ 18 عاماً. حتّى أن السعدني يسرد قصّة أحد أثرياء تونس الذي عرض عليها إحياء ليالي رمضان في قصره بصفاقس بأجر 1000 جنيه في العام 1925. لكنها منيرة رفضت ليضطّر للحضور إلى القاهرة لسماع ترتيلها طيلة الشهر.

 

ومع إطلاق الإذاعة المصرية العام 1934، انضمّت منيرة إلى زملائها القرّاء، قبل أن تظهر فتوى كبار المشايخ في نفس العام بعدم جواز قراءة المرأة للقرآن علناً.

 

المذياع يتسبب في اندثار القراءة

 

ويؤكد الإذاعي أحمد أمين أن انتشار المذياع كان له أكبر الأثر في اندثار هذه العادة وهي دعوة المقرئين للمنازل والمحال التجارية, واقتصارها فقط على المآتم, واعتادت الإذاعة المصرية على التعاقد مع مشاهير القراء وأصحاب الأصوات الحسنة, وقامت بتسجيل العديد من الأسطوانات فكان لها أكبر الأثر في الحفاظ على هذا التراث الضخم من الضياع, ثم كان انطلاق إذاعة القرآن الكريم في الخامس والعشرين من مارس عام 1964م تتويجا لروح التناغم بين الشعب المصري وكتاب الله عز وجل, لكونها أول إذاعة متخصصة في الإعلام الديني في العالم العربي والإسلامي.

 

وكانت أولى المهام الأساسية لهذه الإذاعة هي إذاعة آيات القرآن الكريم مرتلا ومجودا بصوت مشاهير القراء على مدي اليوم والليلة, كما اهتمت الإذاعة بالعلوم الشرعية الأخرى من تفسير وحديث وسنة وتاريخ إسلامي وغير ذلك بما يؤكد وسطية الإسلام ويبعده عن الأفكار الهدامة المتطرفة ويرسخ حب الانتماء للوطن والحرص على ما في الحضارة المصرية القديمة والمعاصرة من كنوز وتراث, فكانت الإذاعة ولا تزال أحد منابر الحق.

هذه هي بعض عادات المصريين مع كتاب الله, والتي تدل على مدي تعلق هذا الشعب بقراءة القرآن فأصبح جزءا من تراثه وثقافته وهويته وتاريخه وحضارته.

اضافة تعليق