أين الله في حياتنا؟.. من منا سأل نفسه هذا السؤال

الأربعاء، 30 مايو 2018 11:45 ص
أين الله في حياتنا

 
أين الله في حياتنا؟.. هل سألنا أنفسنا هذا السؤال يوما من الأيام.. ففي الصحيح من حديث ثوبان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأعلمن أقوامًا من أمتي يوم القيامة يأتون بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء ، يجعلها الله هباءً منثورًا، قال ثوبان: صِفْهُم لنا؟! جلِّهم لنا؟! ألاَّ نكون منهم يا رسول الله؟ قال: أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، لكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها". رواه ابن ماجه وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة.
 
يا رب لطفك!! يا لله!! أعمال كجبال تهامة بيضاء، يجعلها الله هباء منثوراً!، فالأمر عباد الله جِدُّ خطير إذا لم نراقب الله في السر والعلن، تخيلوا معي معاشر المسلمين الموحدين، بمجرد أن ننتهك حرمات الله تضيع حسناتنا، والطامة الكبرى أن هؤلاء الذين وصفهم النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث أنهم يأخذون من الليل ما يأخذون، بمعنى يتهجدون ويناجون ربهم،لكن بسبب عدم تعظيمهم لله، واستهتارهم، واستخفافهم بالله ، نالوا الخزي والعار يوم القيامة، أما الذي يذنب نسأل الله السلامة.
 
فما أحوجنا إلى هذه المراقبة.. ما أحوجنا إلى هذا الخلق العظيم في حياتنا حين ينطلق المسلم في بيته وسوقه، في حله وسفره، في نهاره وليله، عند وجود الناس أو في الخلوة عنهم، ما أحوجنا إلى هذا الخلق العظيم.
 
قال زيد بن أسلم: "مَرّ ابن عمر براعي غنم فقال: يا راعي الغنم هل مِن جَزرة؟ قال الراعي: ليس ها هنا ربها ، فقال ابن عمر: تقول أكلها الذئب ! فرفع الراعي رأسه إلى السماء ثم قال: فأين الله ؟ قال ابن عمر: فأنا والله أحق أن أقول فأين الله، فاشترى ابن عمر الراعي واشترى الغنم فأعتقه وأعطاه الغنم.
 
وقد صَحَّ في الحديث عن نبيِّكم - صلَّى الله عليه وسلَّم - قولُه: ((الإحسان أنْ تعبُد الله كأنَّك تَراه، فإنْ لم تكن تَراه فإنَّه يَراك)).
 
ومُقتَضى هذا الحديث أنْ يَسِير العبدُ الناصح لنَفسِه في طريقه إلى ربِّه على هذه الصِّفة، يَعبُد الله كأنَّه يُشاهِده، فإنْ لم يتيسَّر له هذا المقام فليَعبُد الله بمقام المُراقِبين، بحيث يستَشعِر المرءُ أنَّ الله يراقبه؛ فهو معه بعِلمِه وإحاطته أينما كان، يسمَعُ أقواله، ويَرى أعمالَه، ويعلَمُ أحوالَه؛ ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴾ [الرعد: 8 - 10].
 
فاعتِقاد هذا القُرب، واستِحضار تلك المعيَّة يُوجِبان للعبد الخشية والخوف من الله - تعالى - والهيبة والتعظيم والإجلال له - سبحانه - ويَبعَثان على الحياء من الله - تعالى - والخجل من مُقارَفة مَعصِيته، والإخلاص لله في عِبادته وتَحسِينها، وإتمامها وإكمالها؛ طَمَعًا في جَزِيل مَثُوبته.
 
ولذا أوصى النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بهذا المقام جماعةً من الصحابة - رضِي الله عنهم - قال أبو ذر - رضِي الله عنه -: "أوصانِي خَلِيلي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنْ أخشَى الله كأنِّي أراه، فإنْ لم أكنْ أراه فإنَّه يَرانِي".
 
وقال ابن عمر - رضي الله عنهما -: أخَذ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ببَعضِ جسدي فقال: ((اعبُدِ الله كأنَّك تَراه)).
 
وقال رجلٌ للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: حدِّثني بحديثٍ واجعَلْه مُوجَزًا، فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((صَلِّ صلاة مُودِّع؛ فإنَّك إنْ كنتَ لا تَراه، فإنَّه يَراك)).
 
ووصَّى - صلَّى الله عليه وسلَّم - رجلاً فقال: ((استَحِ من الله استِحياءَك من رجُلَيْن من صالِحِي عَشِيرتك لا يُفارِقانك)).
 
ويَكفِي في ذلك قولُ الحق - سبحانه -: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [يونس: 61].
 
فمُراقَبة العبد لربِّه هي دَوام عِلم العَبد وتيقُّنه باطِّلاع الله - تعالى - على سِرِّه وعلانِيَتِه، وأنَّه - سبحانه - ناظِرٌ إليه في شَتَّى حالاته؛ قال - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].
 
ومتى عقل المرء هذا الأمرَ واستَيْقَنه قلبُه، واستَحضَر موقفَه غَدًا بين يدي ربِّه، كان باعثًا له على الإكثار من الطاعات، ومُجانَبة المُنكَرات وأنواع المُخالَفات، وقُرب التَّوبة من السيِّئات، والاشتِغال بعمارة وَقتِه بأنواع الصالحات؛ خشيةً من الفَوْتِ، وحذَرًا من مُفاجَأة الموت.
 
وهذا المقام هو الذي منَع يوسفَ نبيَّ الله عن المعصية حينما ابتُلِي ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالمُونَ ﴾ [يوسف: 23]، وهذا المقام هو الذي جعَل الفتاة التي أمرَتْها أمُّها أنْ تغشَّ اللبن قبل بَيعِه للناس أنْ تُراجِع أمها قائلةً: يا أمَّاه، ألاَ تَخافِين من عمر؟ تعني: أمير المؤمنين، فقالت لها أمُّها: إنَّ عمر لا يَرانا، فقالت الفتاة: إنْ كان عمر لا يَرانا فرَبُّ عمر يَرانا.
 
وكذلك الرجل الذي تمكَّن من المرأة فقالت له: اتَّق الله ولا تفضَّ الخاتم إلا بحقِّه؛ فقام وترَكَها، وترَكَ المال الذي أعطاها لَمَّا ذكَّرته بتقوى الله، فقام وترَكَها خوفًا من الله، وأمثلة ذلك في الناس كثيرة.

اضافة تعليق