هكذا تستشعر لذة العبادات في رمضان

الثلاثاء، 29 مايو 2018 11:51 ص
لذة أداء العبادات

 
جميعنا يشعر في شهر رمضان بإحساس غريب أثناء أداء العبادات تختلف عن أدائها في بقية شهور العام، فما أجمل الصلاة وما أجمل الصيام وما أجمل القرآن.. إن العبادات في رمضان لها خشوعها وروحانيَّتها الخاصة التي تُميِّزها عن سائر الشهور، ولِمَ لا؟! وهو خير شهور العام، وفيه أُنزل القرآن، وفُرضت فيه عبادة الصيام.
 
فرمضان شهر الطاعات، وشهر البركات، وشهر العتق من النيران، والفوز بأعلى الجنان، فهو سوق للمنافسة: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ [المطففين: 26]، فينبغي علينا ونحن مقبلون على هذا الشهر أن تكون لنا وقفة مع بعض العبادات التي يُداوم عليها المسلمون في رمضان؛ وذلك للارتقاء بها، والقيام بها على الوجه الأمثل.
 
أولًا: الارتقاء بالصلاة:


فوقفتُنا الأولى مع الصلاة، وما أدراك ما الصلاة! إنها عماد الدين، ورُكنه الركين، ومع ذلك فقد غفَل كثير من المسلمين عن مكانتها، وصارت صلاتهم مجرد طقوس وحركاتٍ بلا خشوعٍ ولا روحانيَّات، ونسِي هؤلاء أو تناسوا أن الخشوع رُوح الصلاة، وأن صلاةً بلا خشوعٍ كجسدٍ بلا رُوحٍ؛ فعندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يصلي بلا طمأنينةٍ ولا خشوعٍ، أمَرَهُ بإعادة الصلاة، ويحكي لنا أبو هريرة هذا الموقف، فيقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل، فصلَّى، فسلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم، فردَّ وقال: ((ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ))، فرجع يُصلِّي كما صلَّى، ثم جاء، فسلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ)) ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحقِّ ما أُحْسِنُ غيره، فعلِّمْني، فقال: ((إذا قُمْتَ إلى الصلاة فكبِّرْ، ثم اقرأ ما تيسَّرَ معكَ من القرآن، ثم اركَعْ حتى تطمئنَّ راكعًا، ثم ارفَعْ حتى تَعْدِلَ قائمًا، ثم اسجُدْ حتى تطمئنَّ ساجدًا، ثم ارفَعْ حتى تطمئنَّ جالسًا، وافعَلْ ذلك في صلاتِكَ كُلِّها))؛ متفق عليه.
 
فهذا الحديث يحتاج منا أن نقفَ معه، وأن ننظر في صلاتنا، هل إذا رأها النبي صلى الله عليه وسلم، سيأمرُنا بإعادتها أو لا؟! وهل إذا صَعِدَتْ إلى الله عز وجل سيَقبَلُها أو لا؟!
 
خشوع النبي في الصلاة:


لقد ضرَب لنا النبي صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في الخشوع في الصلاة؛ فقد كان أخشع الناس في صلاته، حتى إن أصحابه كانوا يسمعون بكاءه من شِدَّة الخشوع، فعن مطرف عن أبيه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يُصلِّي ولجوفه أَزيزٌ كأزِيزِ المِرجَلِ"؛ يعني: من كثرة البكاء؛ رواه النسائي.
 
وكان صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تتورَّمَ قدماه، ولا يجد في ذلك بأسًا؛ لأنه كان يجد متعته في الوقوف بين يدي ربِّه عز وجل، فهو مَن قال: ((وجُعِلت قُرَّةُ عيني في الصلاة))؛ رواه النسائي.
 
وكان إذا سُئِل عن تحمُّله مشقَّةَ طول القيام، وقد غُفِر له، كان يجيب بأن ذلك مِن شُكر الله، فعن المغيره قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تورَّمَت قدماه، فقيل له: غفَر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، قال: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا))؛ رواه البخاري.
 
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس ليسوا متساوين في أجور الصلاة، فعلى قدر الخشوع وحضور القلب، يكون الأجْرُ، فعن عمار بن ياسر قال: سمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنَّ الرجلَ لَيَنْصَرِفُ وما كُتِب له إلا عُشْرُ صَلاتِه، تُسعُها، ثُمنُها، سُبعُها، سُدُسُها، خُمسُها، رُبُعُها، ثُلُثُها، نِصْفُها))؛ رواه أبو داود.
 
تعظيم الصلاة عند الصحابة والسلف:


ولقد كان أصحاب النبي رضوان الله عليهم ورجال السلف من بعدهم، يعرفون قيمة الصلاة ويُعظِّمون من شأنها، فقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه كان إذا حضر وقت الصلاة، ارتعَدت فرائصُه، وتغيَّر لونُه، فسُئِل عن ذلك، فقال: جاء وقت الأمانة التي عَرَضَها الله على السموات والأرض والجبال، فأبَيْنَ أن يَحْمِلْنَها، وأشْفَقْنَ منها، وحملها الإنسان، فلا أدري أأحسن أداء ما حمل أم لا؟.
 
وذُكِر أن حاتم الأصمَّ كان من أخشع الناس، فسُئِل: كيف أنت إذا دخلت الصلاة يا حاتم؟ فقال رحمه الله: إذا دخلتُ الصلاة جعلتُ الكعبةَ أمامي، والموتَ ورائي، والصراطَ تحت قدمي، والجنةَ عن يميني، والنارَ عن شمالي، والله مُطَّلِعٌ عليَّ، ثم أُتِمُّ ركُوعَها وسجُودَها، فإذا سلَّمْتُ لا أدري أقبِلَها اللهُ أم ردَّها عليَّ.
 
 
 
ورُوي أن سعيد بن المسيب رأى رجلًا يعبث في صلاته، فقال: "لو خَشَعَ قلبُ هذا لخَشَعَتْ جوارِحُه".
 
هكذا كان حال هؤلاء مع الصلاة، وهكذا كان تعظيمهم لها، وحرصهم على القيام بها، كما يحب الله، وكما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحريٌّ بنا أن نقتدي بهم، وأن نسيرَ على دَرْبهم.
 
ثانيًا: الارتقاء بالصيام:


إذا ما أردنا أن نتحدث عن صيام رمضان، فينبغي على المسلم وقبل كل شيء أن يدعو الله أن يُبلِّغه رمضان، وإذا بلغ رمضان عليه أن يشكُرَ الله على هذه النِّعْمة العظيمة والفضل الكبير؛ أن جعله الله من أهل رمضان، لِما في هذا الشهر من العطايا الربانية والْمِنَح الإلهية التي ليس لها مثيل في سائر شهور العام.
 
فقد روى طلحة بن عبيدالله في فضل بلوغ رمضان، أن رجلين قدِما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إسلامُهما جميعًا، فكان أحدُهما أشدَّ اجتهادًا من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستُشهِد، ثم مكث الآخر بعده سنة، ثم تُوفِّي، قال طلحة: فرأيتُ في المنام: بينما أنا عند باب الجنة، إذا أنا بهما، فخرج خارجٌ من الجنة، فأذِنَ للذي تُوفِّي الآخر منهما، ثم خرج، فأذن للذي استُشهِد، ثم رجع إليَّ، فقال: ارجع، فإنك لم يَأْنِ لك بعدُ، فأصبح طلحة يُحدِّث به الناس، فعجِبوا لذلك، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدَّثوه الحديث، فقال: ((مِنْ أيِّ ذلك تَعْجَبُون؟))، فقالوا: يا رسول الله، هذا كان أشدَّ الرجلين اجتهادًا، ثم استشهد، ودخل هذا الآخر الجنة قبلَه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أليس قد مَكَثَ هذا بعدَه سنةً؟))، قالوا: بلى، قال: ((وأدرك رمضانَ فصام، وصلَّى كذا وكذا من سَجْدةٍ في السنة؟))، قالوا: بلى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فما بينَهما أبعدُ ممَّا بين السماء والأرض))؛ رواه ابن ماجه.
 
التفكُّر في أجر الصيام:


فالصيام من أجَلِّ العبادات وأحبها إلى الله، وأعظمها أجرًا وفضلًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ له إلَّا الصَّوْمَ، فإنَّه لي، وأنا أجْزِي به، ولَخُلُوفُ فَمِ الصائم أطيبُ عند اللهِ من رِيحِ المسْكِ))؛ رواه البخاري.
 
وجاء في رواية أخرى: ((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضاعَفُ، الحَسَنةُ عَشْرُ أمثالها إلى سَبْعِمائة ضِعْفٍ، قال الله عز وجل: إلا الصَّوْمَ، فإنَّه لي وأنا أجْزِي به، يَدَعُ شَهْوَتَه وطَعامَه من أجْلِي))؛ رواه مسلم.
 
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن صيام رمضان سببٌ لمغفرة ما تقدَّم من الذنوب؛ فقال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه))؛ متفق عليه.

اضافة تعليق