معركة عمورية.. عندما صرخت امرأة: "وامعتصماه"

الإثنين، 28 مايو 2018 11:22 ص
معركة عمورية

في السادس من شهر رمضان سنة 223 هـ، الموافق لأغسطس من عام 838 م، جهز الخليفة العباسي المعتصم جيشًا لحرب الروم استجابة للصرخة الشهيرة لإحدى النساء المسلمات: "وامعتصماه".

وأيضًا بسبب هجوم الإمبراطور البيزنطي ثيوفيلوس الذي يسمى في المصادر العربية توفيل بن ميخائيل على ثغري ملطية (في تركيا حاليًا) وزبطرة في العام السابق للمعركة وقيامه بتخريبهما وأسر الكثير من النساء
فساء الأمر المعتصم، وقاد بنفسه جيش المسلمين في مواجهة الإمبراطور البيزنطي، في واحدة أهم المعارك الإسلامية – البيزنطية، فسار إلى "عمورية"، التي كانت أهم مدن الإمبراطورية البيزنطية وهي في غرب آسيا الصغرى (الأناضول حديثًا).

سار إلى "عمورية" في جحافل كثيرة عديدة، وبعث أحد قواده ويلقب بـ "الأفشين"، واسمه حيدر بن كاوس إلى موضع يسمى "سروج" في جنوب تركيا حاليًا، وأعد عدته وجمع جنوده ، واختار الأمراء المعروفين بالحرب، فانتهى في سيره إلى نهر اللامس وهو قريب من طرسوس، وذلك في رجب من عام 223 هـ الموافق لمايو من عام 838م.

عند سروج قسم المعتصم جيشه إلى فرقتين: الأولى بقيادة الأفشين، ووجهتها أنقرة، وسار هو بالفرقة الثانية. وبعث المعتصم أشناس بقسم من الفرقة التي يقودها إلى أنقرة، ولكن من طريقٍ آخر، وسار هو في إثره، على أن يلتقي الجميع عند أنقرة.
ووقعت معركة آيزن أو دزمون في 25 شعبان عام 223 هـ الموافق 22 يوليو 838م، بين الأفشين وإمبراطور بيزنطة، وهزم فيها الجيش البيزنطي وهرب الإمبراطور إلى القسطنطينية.

وصلت أنباء الإنتصار للمعتصم، فواصل السير حتى التقت جميع أقسام الجيش عند أنقرة فدخلوها، وكان أهلها قد هربوا منها بعدما سمعوا بهزيمة ملكهم، وتقوّى المعتصم بما فيها من زاد ومتاع.

واصل سيره جنوبًا إلى عمورية، ووصلت طلائع الجيش بقيادة أشناس في يوم الخميس 5 رمضان 223 هـ الموافق 1 أغسطس 838 م، ووصل المعتصم بعدها بيوم.
في هذه الأثناء وصلت إشاعات إلى القسطنطينية بأن "توفيل" قُتل فعندما رجع إلى القسطنطينية، وجد نفسه أمام ثورة فانشغل بها ولم يستطع مساعدة عمورية، لكنه أرسل للمعتصم يعتذر له عما حصل لملطية، ويبين أن ما حصل كان خلاف أوامره ويعده بأن يعيد الأسرى ويبني المدينة من جديد.
لكن المعتصم رفض هذا العرض، ولم يكتف بذلك بل أسر الرسول وجعله يرى عملية الحصار بأم عينه، حيث دام الحصار 11 يومًا فقط، وكان في هذا الحصن ساهمت في دخول الحصن.

قسّم المعتصم الأبراج على قواد جيشه فعين لكل قائد برجا معينًا، كان هناك أحد الأسرى المسلمين كان قد تنصر وتزوج منهم، لكن لما رأى المعتصم والجيش الإسلامي رجع إلى الإسلام وخرج إلى الخليفة، فأسلم وأعلمه بمكان في السور كان قد هدمه السيل وبني بناء ضعيفًا بلا أساس، فنصب المعتصم المجانيق حول عمورية، فكان أول موضع انهدم من سورها ذلك الموضع الذي دلهم عليه ذلك الأسير.

حاول أهل عمورية سد هذا الثغر بالخشب الغليظ القوي لكن قوة المجانيق وكثرة الرمي هدمت السور فيما بعد.

كتب مناطس نائب البلد إلى توفيل يعلمه بشدة الحصار عليه ويطلب منه النجدة، وبعث ذلك مع رسولين، لكن تمكن الجيش الإسلامي منهما وأسرهما، وكان في هذه الرسالة معلومة مهمة، وهي نيته الخروج فجأة على الجيش العباسي ومقاتلتهم.

أمر المعتصم عند ذلك بتجديد الحرس والاحتياط من خروج أهل عمورية بغتة، وزاد في المجانيق وغير ذلك من آلات الحرب.

وكان المعتصم قد غنم عددًا كبيرًا من الأغنام قبل حصار عمورية، وكان هناك خندق عميق محيط بعمورية، فقرر أن يفرق الأغنام بين الجنود وأن يأكل كل رجل رأسًا ويجيء بملء جلده ترابًا، فيطرحه في الخندق، ففعل الناس ذلك فتساوى الخندق بوجه الأرض من كثرة ما طرح فيه من جلود الأغنام، ثم أمر بالتراب فوضع فوق ذلك حتى صار طريقا ممهدًا.

وبينما كانوا في الجسر المردوم، سقط السور الضعيف، لكن كان ضيقًا ولم يكن ما هدم يسع الخيل والرجال إذا دخلوا/ وقوي الحصار وقد وكل "مناطس" بكل برج من أبراج السور الأربعة والأربعين أميرًا يحفظه، فضعف ذلك الأمير الذي هدمت ناحيته من السور عن مقاومة ما يلقاه من الحصار، فذهب إلىه فسأله النجدة فامتنع من مساعدته بحجة انشغال الآخرين بمراقبة الأسوار الأخرى، فلما يئس منهم خرج إلى المعتصم ليجتمع به.

ودخل المعتصم وجنده مدينة عمورية في (17 رمضان 223 هـ - 12 أغسطس 838 م)، وتكاثر المسلمون في المدينة وهم يكبرون ويهللون، وتفرَّقت الروم عن أماكنها، فجعل المسلمون يقتلونهم في كل مكان، ولم يبقَ في المدينة موضعٌ محصَّنٌ سوى المكان الذي يجلس فيه نائبها مناطس، وهو حصن منيع، فركب المعتصم فرسه، وجاء حتى وقف بحذاء الحصن، فناداه المنادي: ويحك يا مناطس! هذا أمير المؤمنين واقف تجاهك.

فقالوا: ليس بمناطس ههنا مرتين، فرجع الخليفة ونصب السلالم على الحصن، وطلعت الرسل إليه، وقالوا له: ويحك! انزل على حكم أمير المسلمين. فتمنَّع، ثم نزل متقلدًا سيفه، فوضع السيف في عنقه، ثمَّ جيء به حتى أُوقف بين يدي المعتصم، فضربه بالسوط على رأسه، ثمَّ أمر به يمشي إلى مضرب الخليفة مهانًا.
تمكن الجيش الإسلامي من القبض على مناطس، وسيق أسيرًا للمعتصم، والذي أمر بإحراق ما بقي هنالك من المجانيق والدبابات وآلات الحرب لكي لا يتقوى بها البيزنطيون مرة أخرى، ثم انصرف عائدًا إلى ناحية طرسوس.

وكان قد مكث في عمورية بعد سقوطها 25 يومًا، وكان بين تلك الغنائم أبواب حديدية ضخمة للمدينة، نقلها المعتصم في البداية إلى سامراء، حيث تم تثبيتها على مدخل قصره.

ومن هناك نقلت إلى الرقة، حتى أمر سيف الدولة الحمداني بنقلها إلى باب قنسرين أحد أبواب عاصمته حلب عام 353 هـ الموافق 964 م.

اضافة تعليق