رمضان يجري.. أدرك ما تبقى منه.. فيه ليلة خير من ألف شهر

الإثنين، 28 مايو 2018 11:09 ص
وها هو رمضان يجري


وها هو رمضان يجري ويمر مر النسيم الجميل في ليالي الصيف، فهلا أدركنا ما تبقى وحاسبنا أنفسنا وتوقفنا قليلا لنعيد حساباتنا فيما تبقى، علنا نفوز في الليالي المتبقية وأن يكتبنا الله في ليلة منها من العتقاء من النيران.. فرمضان لا شك شهر لا يُشبهُه شهر، عظيم الأمر، جليلُ القدر، هو من أشرف أوقات الدهر، فضائله لا تُحصى، ومحامده لا تُستقصى، موسمٌ وافرُ الأرباح، فالأجور فيه مضاعفة والدعاء مسموع والخير مجموع والشر مدفوع.

لذا علينا جميعا أن نتعامل مع هذا الشهر سريع الرحيل، على أنه آخر شهر في حياتنا وسيأتي رمضان القادم ونحن في عداد الموتى، لذا علينا أن نبادر قبل الندم ونسارع في الطاعات قبل حلول الأجل.

وفي رمضان، بأمر من الله تُفتح أبواب الجنان في رمضان. بأمرٍ من الله تتزين الجنة للمؤمنين من أهل الصيام والقيام. بأمر من الله تتزين الحور العين لخطابها من أولياء الله الصالحين.. ولذلك لاشك محروم ومخذول، من يُفتح له الله أبواب الجنة ولا يسابق الأنفاس، ليدخل أبوابها محروم.. ألا نشتاق للجنة وقد فُتحت أبوابها.. ألا نجد ريح الجنة وعبقها ونسيمها؟ وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين سنة وفي رواية سبعين سنة.. لكن المسافة عباد الله تقترب والرائحة تدنو كلما ارتفع الإيمان وسمت النفوس بطاعة الكريم العلام جل جلاله.

ومن عجبٍ أن التنافس في أمر الآخرة يرتفع بأرواح المتنافسين جميعا حتى يصل بهم الحال إن قُتل أحدهم في سبيل الله يقول في لحظة فراقه للدنيا: «فُزت ورب الكعبة». إنه الفوز بالشهادة لدخول دار الكرامة، بل يصل الأمر ببعضهم أن يشم رائحة الجنة ويأتيه من روحها ونسيمها وهو في هذه الدار كما حدث لأنس بن النضر في غزوة أُحدٍ عندما قال لسعد بن معاذ رضي الله عنه: «إني لأجد ريح الجنة دون أحد فقاتل حتى قتُل».. قال سعد: فوجدنا به بضعاً وثمانية ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم ووجدناه قد قُتل ومثّل به المشركون فشوهوا جسده، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. وفيه وفي أمثاله نزل قوله تعالى: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 23].

ومنهم سعد بن الربيع بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت يُقرئه السلام فوجده في آخر رمق وفيه سبعون ضربة فقال له: إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام ويقول كيف تجدك قال: «وعلى رسول الله السلام قل له إني أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار لا عُذر لكم عند الله إن خلُص إلى رسول الله وفيكم عينٌ تطرف» ثم فاضت نفسه.

فأن أشرف الساعات، وأنفس اللحظات في تاريخ العبد المؤمن، تلك اللحظة التي يتناول فيها كتابه بيمينه: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾ [الحاقة: 19 - 21]، ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾ [الانشقاق: 7 - 9].. تكاد تخرج روحه من بين أضلعه فرحاً إنه كتابٌ من عزيزٍ رحيم - سبحانه - ذي الجبروت والملكوت والإجلال والإكرام.. فتُفتح لهم أبواب الجنة: ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ ﴾ [ص: 50] وعددها ثمانية، فإن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، وإن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، وإن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، وإن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان.

وقد يُدعى العبد الصالح المحسن من تلك الأبواب كلها، ومقدار ما بين مصراعي باب الجنة أربعون سنة، قال عتبة بن غزوان: « وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام كما ذكر له » [أخرجه مسلم: كتاب الزهد، والرقائق، حديث (2967)].

وإن سألت عن زُمَر أهل الجنة، أي الذين يدخلون الجنة أول الناس، فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول زُمْرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة».

ولقد أخبر الصادق المصدوق: أن في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك: «أن أم الربيع بنت البراء أتت رسول الله فقالت: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة، وكان قتُل يوم بدر، أصابه سهم غَرَبَ، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت في البكاء، قال: «يا أم حارثة إنها جنان، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى» ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ﴾ [الواقعة: 10] هناك من سبق، هناك من وصل، هناك من بُشر بالجنة وهو على الأرض يمشي: ﴿ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾ [الواقعة: 11، 12] السابقون بجمع المال، أم السابقون بالشهوات، أم السابقون بالطعام والشراب؟ لا وربي، بل السابقون بقيام الليل، بالصلوات الخمس، بصلاة الفجر في الجماعات، السابقون بذكر الله.

يمشي النبي صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام فإذا به يقول للصحابة: « سبق المفردون، قالوا: من المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات»، وقال صلى الله عليه وسلم: «من قال: سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة» فأين الذاكرون؟.

كم تنتظر في الدنيا لأجل بيت من البيوت، أو شُقّة تسكنها؟ كم تجمع، وكم تتعب، وكم تنصب، ولا بد منها، هذه متطلبات الدنيا والحياة، أما بيوت الجنة؛ فلبنة من ذهب ولبنة من فضة لا كذهب الدنيا وفضتها، وملاطها ممسوحة بالمسك.. ما راحتها، ما جمالها، ما منظرها؟ إنه ذهب وفضة ومسك كيف تحصل على بيت في الجنة؟ قال صلى الله عليه وسلم: « من قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) [الإخلاص: 1] عشر مرات بني له قصرٌ في الجنة »، كم مرّة فعلتها اليوم؟ كم مرة صنعتها اليوم؟.

أرأيت كم نحن مُفرّطون في الأجور والحسنات، وكم ضيّعنا من الأوقات، وكم ضيّعنا من الأعمار؟.. فهل لحقنا ما بقي من رمضان.


إن بعض الناس لا يحلو له في سيارته من بيته إلى العمل، أو في أي مشوار إلا أن يضع أشرطة الأغاني والطرب والموسيقى، ولو استغل هذه الأوقات بذكر الله، وبقراءة القرآن، وباستماع الدروس والمواعظ، لكم قد بُنيت له بيوت وبيوت في الجنة، وغُرست له أشجار وأشجار في الجنة، ولكن: ﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾ [الزمر: 56].

اضافة تعليق