معركة المنصورة.. درس لقنه المصريون للصليبيين

الأحد، 27 مايو 2018 02:42 م
1

قدم "لويس التاسع" ملك فرنسا يقود جيشًا قوامه 110 آلاف مقاتل، مزودين بأحدث أنواع الأسلحة، في أحدث حملة صليبية، وهي الحملة الصليبية السابعة ضد مصر.

كان طابع الحملة استعماريًّا اقتصاديًا، وكان فخر الدين ابن شيخ الإسلام الجويني قائد جيوش المسلمين، ونسق الملك لويس التاسع مع المغول من أجل الضغط على الشرق الإسلامي من الجانبين.

بعد أن استطاع الصالح نجم الدين أيوب الانفراد بحكم مصر سنة (637هـ/ 1238م)، ونجح في استرداد بيت المقدس من أيدي الصليبين بمساعدة الخوارزمية في (3 صفر 642هـ/ 11 يوليو 1244م) وهزم الصليبيين في معركة غزة في (جمادى الأولى 642هـ/ أكتوبر 1244م).

وكانت هذه الهزيمة أكبر كارثة حلت بالصليبيين بعد معركة حطين سنة (583هـ/ 1187م)، وبلغ من أثرها أن أطلق عليها "حطين الثانية"، ونجح أيضًا في استرداد قلعة طبرية (645هـ/ 1247م)، ثم استولى على عسقلان في العام نفسه، وبذلك نجح الصالح أيوب في توحيد مصر والشام تحت سلطانه بعد أن أصبحت القاهرة ودمشق وبيت المقدس في قبضة يده.

في تلك الأثناء، تعالت الأصوات في أوروبا بشن حملة صليبية جديدة ضد المسلمين، واستجاب لهذه الصيحات الغاضبة "لويس التاسع" ملك فرنسا الذي عقد مجلسًا عامًّا في باريس في خريف سنة (643هـ/ 1245م) حضره كبار رجال المملكة، ورجال الكنيسة على رأسهم البابا "إنوسنت الرابع"، وفي ذلك المؤتمر أخذ العهود والمواثيق على الراغبين في الانخراط في الحملة، وبدأ بنفسه؛ فكان أول من أدرج نفسه في سجل الحرب الصليبية، وتتابع الأمراء في الاقتداء به.

ودارت رحى معركة المنصورة في مصر من 8 إلى 11 فبراير من سنة 1250 بين القوات الصليبية بقيادة لويس التاسع، الذي عُرف بالقديس لويس فيما بعد، والقوات الأيوبية بقيادة الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ، وفارس الدين أقطاي الجمدار وركن الدين بيبرس البندقداري.

أسفرت المعركة عن هزيمة الصليبين هزيمة كبرى منعتهم من إرسال حملة صليبية جديدة إلى مصر، وكانت بمثابة نقطة البداية التي أخذت بعدها الهزائم تتوالى عليهم حتى تم تحرير كامل الشام من الحكم الصليبي.
كان من أهداف الحملة الصليبية السابعة، هزيمة مصر لإخراجها من الصراع، والقضاء على الدولة الأيوبية التي كانت تحكم مصر والشام، وإعادة احتلال بيت المقدس. 

لتحقيق ذلك، جهز الصليبيون الحملة بتأن في ثلاث سنوات، وحاولوا إقناع المغول بالتحالف معهم ضد المسلمين حتى يتمكنوا من تطويق العالم الإسلامي من المشرق والمغرب، مما يصعب على مصر القتال على جبهتين في آن واحد فيسهل عليهم الإطاحة بالعالم الإسلامي بضربة واحدة.
في 24 جمادى الأولى 646 هـ، الموافق في 25 أغسطس 1248م، أبحر لويس من مرفأ إيجو-مورت وتبعته سفن أخرى من نفس المرفأ ومن مرسيليا. 

كان الأسطول الصليبي ضخمًا ويتكون من نحو 1800 سفينة، أراد الملك لويس التوجه مباشرة إلى مصر لكن مستشاريه وباروناته فضلوا القيام بوقفة تعبوية لتجميع كل السفن والمقاتلين قبل التوجه إلى مصر، فتوقف بجزيرة قبرص، حيث انضم إليه عدد كبير من بارونات سوريا وقوات من فرسان المعبد، المعروفون بالداوية، والاسبتارية التي قدمت من عكا تحت قيادة مقدميها.

أثناء توقف لويس بقبرص قام باستقبال وفد مغولي سلمه رسالة ودية من خان المغول يعرض عليه فيها خدماته للاستيلاء على الأراض المقدسة وطرد المسلمين من بيت المقدس. 

توقف الحملة الصليبية في قبرص أدى إلى تسرب أنبائها إلى مصر قبل وصول سفنها إلى المياه المصرية. ويُقال إن فريدرك الثاني، الذي كان في صراع مع بابا الكاثوليك، بعث إلى السلطان أيوب يخبره بإبحار لويس التاسع لغزو مصر، مما منح السلطان أيوب فرصة للاستعداد وإقامة التحصينات.

في مايو عام 1249 ركب لويس سفينته الملكية "لو مونتجوي"، وأمر باروناته باتباعه بسفنهم إلى مصر فأبحرت السفن من ميناء ليماسول القبرصي. 

أما في مصر فكانت أنباء عزم الفرنج على مهاجمة مصر قد وردت، فأنهى السلطان الصالح أيوب حصاره لحمص. وعاد من الشام إلى مصر على محفة بسبب مرضه الشديد، ونزل في شهر محرم من سنة 647هـ، الموافق في أبريل عام 1249م عند قرية أشموم طناح، على البر الشرقي من الفرع الرئيسي للنيل. 

وأصدر أوامره بالاستعداد وشحن دمياط بالأسلحة والأقوات والأجناد، وأمر نائبه بالقاهرة الأمير حسام الدين بن أبي علي بتجهيز الأسطول، وأرسل الأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ، وكان أميرًا في نحو الثمانين، على رأس جيش كبير ليعسكر في البر الغربي لدمياط حتى يواجه الفرنج إذا قدموا.

دخلت سفن الفرنج المياه المصرية ووصلت إلى شاطئ دمياط وأرست بإزاء المسلمين، راع المقاتلون الصليبيون وهم ينظرون من فوق أسطح سفنهم كثرة أجناد المسلمين على الشاطئ، وبريق أسلحتهم، وصهيل خيولهم.
وأرسل لويس كتابًا إلى السلطان الصالح أيوب يهدده ويتوعده ويطلب منه الاستسلام، فرد عليه يحذره من مغبة عدوانه وصلفه، وينبئه بأن بغيه سيصرعه وإلى البلاء سيقلبه، ليقرر لويس على إثر ذلك بدء عملية الإنزال.

في فجر السبت 22 صفر سنة 647 هـ، الموافق في 5 يونيو 1249م، بدأت عملية إنزال القوات الصليبية على بر دمياط.

ولما انسحب الأمير فخر الدين يوسف إلى معسكر السلطان في "أشموم طناح"، بعد أن ظن أن السلطان قد فارق الحياة لأنه لم يرد على رسائله التي بعث بها إليه بالحمام الزاجل، وقد ترك دمياط خلفه بكل مافيها من سلاح ومؤونة وأقوات، ففزع السكان وفروا هم أيضاُ منها وخلفهم العربان الذين كانوا قد وضعوا في المدينة للمشاركة في حمايتها، فعبر الجنود الصليبيون إلى المدينة المهجورة، سيراً على الجسر الذي نست الحامية الأيوبية تدميره قبل أنسحابها، واحتلوا دمياط بدون أن يواجهوا مقاومة، حتى أنهم قد ظنوا في بادئ الأمر أنها مكيدة من المسلمين. 

استولى الصليبيون على المدينة بكل ما فيها من سلاح وعتاد ومؤونة، وحصنوا أسوارها.

بينما فضل لويس فضل التمهل في التقدم نحو الدلتا إلى أن تصل السفن الجانحة في الشام، وإلى أن ينتهي موسم فيضان النيل حتى لا يسقط في خطأ الحملة الصليبية الخامسة التي أغرقها فيضان النيل. 

تحولت دمياط إلى مستعمرة صليبية، وعاصمة لمملكة ما وراء البحار وصار جامعها الكبير كاتدرائية، ونصب أحد القساوسة أسقفًا عليها، وأنشأت الأسواق الأوروبية، وأمسك تجار جنوة وبيزا بزمام التجارة فيها. 

ووقعت أنباء سقوط دمياط في أيدي الصليبيين كالصاعقة على الناس، وانزعج واشتد حنق السلطان الصالح أيوب على الأمير فخر الدين وقال له: "أما قدرتم تقفون ساعة بين يدي الفرنج؟"، وأمر بإعدام نحو خمسين من أمراء العربان الذين تهاونوا وغادروا دمياط بغير إذن. وحُمل السلطان المريض في حراقة إلى قصر المنصورة، وقدمت الشواني بالمحاربين والسلاح، وأعلن النفير العام في البلاد فهرول عوام الناس أفواجًا من كافة أنحاء مصر إلى المنصورة لأجل الجهاد ضد الغزاة.

وقامت حرب عصابات ضد الجيش الصليبي المتحصن خلف الأسوار والخنادق، وراح المجاهدون يشنون هجمات على معسكراته ويأسرون مقاتليه وينقلونهم إلى القاهرة.

ويروي المؤرخ الصليبي "جوانفيل" الذي رافق الحملة، أن المسلمون كانوا يتسللون أثناء الليل إلي المعسكر الصليبي ويقتلون الجنود وهم نيام ويهربون بروؤسهم. ويذكر المؤرخ ابن أيبك الدواداري أن الصليبيون كانوا يخافون من العوام المتطوعين أكثر من الجنود.

في غضون ذلك، في 24 أكتوبر، وصل إلى دمياط من فرنسا "ألفونس دى بواتي"، الشقيق الثالث للملك لويس ومعه إمدادات وقوات إضافية. 

بوصول الإمدادات تشجع الصليبيون وقرروا التحرك من دمياط. كان على لويس الاختيار بين السير إلى الإسكندرية كما اقترح "بيتر أوف بريتني" والبارونات أو السير إلى القاهرة، كما أصر "روبرت دو ارتوا" شقيق لويس الذي أشار إلى أنه: "إذا أردت قتل الأفعى فاضربها على رأسها". واختار لويس ضرب رأس الأفعى فأمر بالسير إلى القاهرة.

في 20 نوفمبر 1249م، بعد نحو خمسة أشهر ونصف من احتلال دمياط، خرج الصليبيون من دمياط وساروا على البر بينما شوانيهم في بحر النيل توازيهم، وقاتلوا المسلمين هنا وهناك حتى وصلوا في 21 ديسمبر إلى ضفة بحر أشموم، الذي يُعرف اليوم بالبحر الصغير، فأصبحت مياه بحر أشموم هي الحاجز الذي يفصل بينهم وبين معسكر المسلمين على الضفة الأخرى.

حصن الصليبيون مواقعهم بالأسوار، وحفروا خنادقهم، ونصبوا المجانيق ليرموا بها على عسكر المسلمين، ووقفت شوانيهم بإزائهم في بحر النيل، ووقفت شواني المسلمين بإزاء المنصورة، ووقع قتال شديد بين الصليبيين والمسلمين في البر ومياه النيل. 

حاول الصليبيون إقامة جسر ليعبروا عليه إلى الجانب الآخر ولكن المسلمين ظلوا يمطرونهم بالقذائف ويجرفون الأرض في جانبهم كلما شرعوا في إكمال الجسر حتى تخلوا عن الفكرة.

وراحت المساجد تحض الناس على الجهاد ضد الغزاة مرددة الآية القرآنية: ﴿انفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فصار الناس يتواردون من أنحاء مصر على منطقة الحرب بأعداد غفيرة.

وبينما كان الصليبيون يتقدمون جنوبًا داخل الأراضي المصرية اشتد المرض على السلطان الصالح أيوب وفارق الحياة بالمنصورة في 15 شعبان سنة 647 هـ، الموافق في 23 نوفمبر 1249م، فأخفت زوجته شجر الدر خبر وفاته، وأدارت البلاد بالاتفاق مع الأمير فخر الدين يوسف أتابك العسكر والطواشي جمال الدين محسن رئيس القصر، حتى لا يعلم الصليبيون فيزيد عزمهم ويشتد بأسهم، وحتى لا تتأثر معنويات الجيش والعوام. 

 


وأُرسل الأمير فارس الدين أقطاي الجمدار زعيم المماليك البحرية إلى حصن كيفا لإحضار توران شاه ابن السلطان المتوفى لتسلم تخت السلطنة وقيادة البلاد في حربها ضد الغزاة.

 إلا أن نبأ وفاة السلطان الصالح تسرب إلى الملك لويس بطريقة أو بأخرى، فتشجع الصليبيون أكثر وظنوا أن التحالف القيادي القائم بين شجر الدر وهي امرأة والأمير فخر الدين وهو رجل طاعن في السن لن يصمد طويلاً وسوف يتهاوى عاجلاً ومعه مصر.

في 8 فبراير من عام 1250م، تمكنت فرقة من الصليبيين من العبور بخيولهم وأسلحتهم إلى الضفة الأخرى ليفاجأ المسلمون بهجوم صليبي كاسح على معسكرهم في "جديلة" على نحو ثلاثة كيلومترات من مدينة المنصورة. 

في هذا الهجوم المباغت، قتل فخر الدين يوسف وهو خارج من الحمام مدهوشًا بعدما سمع جلبة وصياح في المعسكر. أدى الهجوم إلى تشتت الأجناد وتقهقرهم مذعورين إلى المنصورة.

وبعد أن احتل الصليبيون معسكر جديلة تقدموا خلف "روبرت دو أرتوا" نحو المنصورة على أمل القضاء على الجيش المصري برمته بعد أن أخذتهم العزة وظنوا أنهم لا ريب منتصرين.

أمسك المماليك بزمام الأمور بقيادة فارس الدين أقطاي، الذي أصبح القائد العام للجيش المصري، وكان هذا أول ظهور للمماليك كقواد عسكريين داخل مصر. 

تمكن المماليك من تنظيم القوات المنسحبة وإعادة صفوفها، ووافقت شجر الدر -الحاكم الفعلي للبلاد- على خطة بيبرس البندقداري باستدراج القوات الصليبية المهاجمة داخل مدينة المنصورة، فأمر بيبرس بفتح باب من أبواب المنصورة وبتأهب المسلمين من الجنود والعوام داخل المدينة مع الالتزام بالسكون الت
ام. 

 

وبلعت القوات الصليبية الطعم، فظن فرسانها أن المدينة قد خوت من الجنود والسكان كما حدث من قبل في دمياط، فاندفعوا إلى داخل المدينة بهدف الوصول إلى قصر السلطان، فخرج عليهم بغتة المماليك البحرية والجمدارية وهم يصيحون كالرعد القاصف، وأخذوهم بالسيوف من كل جانب، ومعهم العربان والعوام والفلاحين يرمونهم بالرماح والمقاليع والحجارة، وقد وضع العوام على رؤوسهم طاسات نحاس بيض عوضًا عن خوذ الأجناد.
 
وسد المسلمون طرق العودة بالخشب والمتاريس فصعب على الصليبيين الفرار، وأدركوا أنهم قد سقطوا في كمين محكم داخل أزقة المدينة الضيقة وأنهم متورطون في معركة حياة أو موت، فألقى بعضهم بأنفسهم في النيل وابتلعتهم المياه.

قُتل عدد كبير من القوات الصليبيية المهاجمة، من فرسان المعبد وفرسان الإسباتريه لم ينج سوى ثلاثة مقاتلين، وفنيت الفرقة الإنجليزية تقريبًا عن آخرها، واضطر أخو الملك لويس إلى الاختباء في أحد الدور، ثم قتل هو و"وليم أوف ساليزبري" قائد الفرقة الإنجليزية.

أثناء المعركة راح الفرنج على الضفة المقابلة لبحر أشموم يكدون ويجدون لإتمام الجسر حتى يتمكنوا من العبور لمساعدة فرسانهم، ولكن لما وردتهم أنباء سحق الفرسان، عن طريق بيتر أوف بريتني الذي فر إليهم بوجه مشجوج من ضربة سيف، وشاهدوا بقايا فرسانهم مدبرين إلى جهتهم والمسلمين في أعقابهم، راحوا يلقون بأنفسهم في مياه النيل بغية العودة إلى معسكراتهم وكاد لويس ذاته أن يسقط في الماء. 

بعد المعركة عقد فارس الدين أقطاي، القائد العام للجيوش المصرية، مجلس حرب، واتفقوا خلاله على ضرورة الهجوم الفوري على معسكر الصليبيين، فقام المسلمون في الفجر بشن هجوم واسع صمد فيه الفرنج ولكنه ألحق بهم خسائر فادحة. انطلق الحمام من المنصورة بنبأ الانتصار على الصليبيين وحط بالقاهرة، فضربت البشائر بقلعة الجبل وفرح الناس وأقيمت الزينات.

تحصن الصليبيون داخل معسكرهم ثمانية أسابيع آملين في انهيار القيادة في مصر حتى يتمكنوا من معاودة محاولة التقدم إلى القاهرة. لكن الحلم الصليبي لم يتحقق، وبدلاً من انهيار القيادة وصل السلطان الأيوبي الجديد توران شاه إلى المنصورة في 24 ذو القعدة سنة 648 هـ، الموافق في 28 فبراير عام 1250، لقيادة الجيش.

قام المسلمون بنقل المراكب وهي مفككة على ظهور الإبل وبعد تركيبها على الشط أنزلوها في مياه النيل خلف قوات لويس التاسع، وهي حيلة لجأ إليها الملك الكامل جد توران شاه في نفس المكان أثناء الحملة الصليبية الخامسة، وبذلك منعوا وصول الإمدادات والمؤن من البحر المتوسط ودمياط إلى القوات الصليبية التي صارت محاصرة.

استخدم المسلمون النار الإغريقية في تدمير مراكب الإمدادات الصليبية المتجهة من دمياط إلى قوات لويس المتمركزة جنوب المنصورة، كما تمكنوا من الاستيلاء على ثمانين سفينة صليبية.

وتمكنوا من تدمير قافلة كانت تتكون من اثنين وثلاثين سفينة، لم يمض وقت طويل حتى كانت قوات لويس قد أنهكت من الحصار والهجمات المتواصلة في النهار والليل، وبدأ الجنود الصليبيون يعانون من الجوع والمرض ويفرون إلى جيش المسلمين، بعد أن أصابهم اليأس والإحباط، بل والشك في الفكرة الدينية التي حملتهم على الانضمام إلى حملة لويس التاسع ضد بلاد المسلمين.

عرض لويس التاسع على المسلمين أن يسلمهم دمياط في مقابل تسليمه بيت المقدس وأجزاء من ساحل الشام. وهو عرض كان قد اقترحه السلطان الأيوبي الصالح أيوب عليه بعد احتلاله دمياط.

ورفض المسلمون، عرض لويس لإدراكهم أن وضعه العسكري لم يعد يؤهله لوضع شروط أو عقد صفقات. وبذلك أصبح أمام لويس التاسع اختيار واحد ألا وهو الفرار إلى دمياط وإنقاذ نفسه وجنوده.

في 5 أبريل من سنة 1250، في جنح ظلام الليل، بدأت قوات الصليبيين رحلة الهروب إلى دمياط، ومن شدة العجلة والارتباك، نسى الصليبيون أن يدمروا جسرًا من الصنوبر كانوا قد أقاموه فوق قناة أشموم.

عندما أحس المسلمون بحركة الصليبيين، عبروا فوق الجسر وراحوا يطاردونهم ويبذلون فيهم السيوف من كل جانب حتى وصلوا إلى فارسكور حيث تم تدميرهم بالكامل ووقع الملك لويس وأمراؤه ونبلاؤه في الأسر بدار ابن لقمان في يوم 6 أبريل من نفس العام.

وبقي بها أسيرًا فترة حتى أفرج عنه لقاء فدية مالية كبيرة، وجلاء الفرنج عن دمياط، وأن يستمر الصلح بين الطرفين لمدة عشر سنوات.

اضافة تعليق