سعة الصدر.. من خلق الأنبياء.. هلا تخلقت به في رمضان

السبت، 26 مايو 2018 12:42 م
سعة الصدر

 
ها قد أقبل رمضان بكل ما فيه من رحمات وتودد وسعة صدر.. فالجميع يتسابق لأن يكظم غيظه في هذا الشهر الفضيل، بل يتسابقون في تبادل الرحمات والمشاعر الجياشة النبيلة عكس بقية أيام السنة.. فهلا جعلنا هذا الشهر الأكرم دار امتحان لتعلم سعة الصدر واستمراره في بقية أيام العام.. فمما لاشك فيه أن سَعة الصَّدْر على الناس، والتغاضي عن هَفواتهم، والعفو عنهم، وعدم الحِقْد عليهم من صفات المؤمنين الذين: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [الحشر: 10].
 
فسَعَة الصَّدْر وسلامة القلب، ونزع فتيل الحسد والعداوة، والغِلِّ والضَّغينة منه، من صفات أهل الجنة؛ قال تعالى: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ﴾ [الحجر: 47]، فتبقى قلوبُهم سالِمةً من كل دَغَلٍ وحسدٍ، متصافيةً متحابَّةً، متجانسةً متآخيةً.
 
ومن الحقائق التي لا يختلف عليها اثنان أن سَعة الصَّدْر منحةٌ إلهية، ورحمةٌ ربَّانية، وعنوان على رجاحة العقل، ودليل على كمال المُروءة والرجولة، فلا يَغضب صاحبها لأتفه الأسباب، ولا يُعكِّر صفوَ حياته أدنى شيءٍ، ولا يجعل من "الحبَّة قُبَّةً" - كما يقول المثل الشعبي - ولا يحمل الكرة الأرضية على رأسه في كل شيءٍ يَحدُث، أو كل كلام يُقال، بل يكون كما قال الشاعر:
 
كُنْ كالنَّخِيل عن الأحْقادِ مُرْتَفِعًا *** يُرْمَى بصَخْرٍ فيُعْطي أطْيَبَ الثَّمَرِ
 
كما أن صاحب الصَّدر الواسع لا ينتقم لنفسه من الآخرين، بل يُقابل الإساءة بالإحسان، وسُوءَ تصرُّف الآخرين بعقلانية وحِكمةٍ، وتعقُّل وسَعةِ أُفقٍ، ويدفع بالتي هي أحسن، ويترفَّع عن حضيض المجادلات العقيمة، وسفاسفِ الأمور بعفَّة اللسان، وطَيِّبِ الكلم، وكريم الأخلاق، ويتغاضى عن هفوات الآخرين وزَلَّاتهم، ويَغُضُّ الطَّرْف عن أخطائهم، ويَقبَلُ أعذارَهم، ويَصِل الرَّحِم وإن قَطَعَه الآخرون، ويُحْسِن وإن أساءَ إليه الآخرون.
 
كما أن صاحب الصدر الواسع لا يتأفَّف من حالته المادية، ولا يتضجَّر من الأسعار، ولا يَحبس الأنفاس لخبرٍ سَمِعه مِن فلان أو علان، ولا يَهتمُّ بنَقْدٍ وكلامٍ قِيلَ فيه هنا وهناك، بل يسمح ويتسامح، ويُوكِل أمورَه إلى الله تعالى ويتوكَّل عليه: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: 3].
 
ونظرًا لأهمية سَعة الصدر وانشراحه في الدعوة إلى الله تعالى، فقد سأل موسى عليه السلام ربَّه قائلًا: ﴿ قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾ [طه: 25-28]؛ أي: وسِّعه وأفسِحْه؛ لأَتحمَّل الأذى القولي والفعلي، ولا يتكدَّر قلبي بذلك، ولا يَضيق صدري، فإن الصدر إذا ضاق، لم يصلُح صاحبُه لهداية الخَلْق ودعوتهم.
 
ولقد قرن الله تعالى نعمة شرح الصدر بنعمتين أُخْريين، وهما: وَضْعُ الوِزْر، ورَفْع الذِّكر؛ حيث يقول مُمتنًّا على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي أعطاه ذِروةَ الكمال من هذه الصفات الثلاثة: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ [الشرح: 1 -4] قال ابن كثير رحمه الله: يعني: "أَمَا شرَحنا لك صدرَك؛ أي: نوَّرناه وجعلناه فسيحًا رحيبًا واسعًا؛ كقوله: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ﴾ [الأنعام: 125]، وكما شرَح الله صدرَ نبيِّه صلى الله عليه وسلم، كذلك جعل شرعَه فسيحًا واسِعًا سَمْحًا سهلًا، لا حرجَ فيه، ولا إصْرَ ولا ضِيْقَ".
 
فسَعة الصدر رحمةٌ ونِعْمةٌ، وسبب أُلْفةٍ ومحبَّةٍ في قلوب الناس، وصفةٌ لا يتخلَّق بها إلا العظماء الذين لا تَحمِل قلوبُهم موجاتِ الشَّحْناء والكراهية، والبُغْض والحسد، والوقيعة بين الناس، فالقلب الطيب يسَعُ الدنيا.
 
وقصصُ السلفِ في سعة الصدرِ كثيرةٌ، والأقوالُ فيها أكثر، وأحقُّ القول ما قاله - تعالى -: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199]، ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 134]، ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ [فصلت: 34].
 
إنَّ سعةَ الصدرِ والرِّفق واللين والرحمة أمورٌ تأسِرُ القلوبَ وتلجمها حياءً، وتشعرُها بالنَّدمِ لما بدر منها من سوء، قال نبي الله يوسف - عليه السلام - لإخوتِه بعدما قدِرَ عليهم وأتوه صاغرين: ﴿ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [يوسف: 92]، وهو ما قاله سيدُ المرسلين - صلَّى الله عليه وسلَّم - لقومِه لما قدر عليهم فظهرتْ سعةُ صدره وحلمه؛ إذ عفا قائلاً لهم: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء))، سار النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - على وجهِه مهمومًا حزينًا لردِّ قومه له وللدعوة، ولِما قابلوه به من أذًى فرفع - صلَّى الله عليه وسلَّم - رأسَه، فإذا بجبريل - عليه السلام - يناديه: "إنَّ اللهَ قد سمع قولَ قومِك لك وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليكَ ملكَ الجبالِ لتأمرَه بما شئتَ، فناداه ملكُ الجبال، فقال: يا محمَّد، إن شئتَ أن أطبقَ عليهم الأخشبين..."، فأبى - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقال: ((إنِّي أرجو أن يُخرجَ اللهُ من أصلابِهم من يعبدُه وحده لا يشرك به شيئًا".
 
أيُّ سعةِ صدرٍ ورحابة وتحمُّل وصبر وحلم تحلَّى بها نبي الرَّحمة المصطفى - عليه صلوات الله وسلامه - ولو كان أحد غيره في هذا الموقفِ لاستفزه الغضبُ ولدعا بهلاكِهم، ولكنَّه المختارُ لهذه الدعوةِ، فكيف يضيقُ صدرُه بهم وهو يعلمُ أنَّهم لو هلكوا لكان مثواهم النَّار، ولكنَّها الرحمةُ والشفقة عليهم والعفو والرَّغبة في الخيرِ لهم، سبقتِ الغضبَ رغم ما فعلوه، فعفا عنهم عفوَ المقتدر.

اضافة تعليق