"جبر الخواطر".. جملوا به صياكم.. تطيب به حياتكم

السبت، 26 مايو 2018 12:13 م
جبر الخواطر

في رمضان يتسارع الناس لعمل الخير.. وغالبًا ما نهتم بالصوم والصلاة والصدقة، وننسى أشياء أخرى أجلّها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أبرزها جبر الخواطر.. فهو لاشك خُلُقٌ إسلامي عظيم، يدلُّ على سموِّ نفس، وعظمة قلبٍ، وسلامة صدر، ورجاحة عقل، يَجبُر المسلمُ فيه نفوسًا كُسِرَتْ، وقلوبًا فُطِرت، وأجسامًا أُرهقَت، وأشخاصًا أرواح أحبابهم أُزهِقت، فما أجمل هذه العبادة! وما أعظمَ أثرَها.
 
ومما يُعطي هذا المصطلح جمالًا أن الجبر كلمة مأخوذة من أسماء الله الحسنى، وهو "الجبَّار"، وهذا الاسم بمعناه الرائع يُطمئِن القلب، ويُريح النفس، فهو سبحانه "الذي يجبُر الفقرَ بالغنى، والمرضَ بالصحة، والخيبة والفشل بالتوفيق والأمل، والخوف والحزن بالأمن والاطمئنان، فهو جبَّارٌ مُتَّصِفٌ بكثرة جبره حوائجَ الخلائق"؛ تفسير أسماء الله للزجاج، ص34.
 
وجبرُ النفوس من الدعاء الملازم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: ((اللهم اغفِرْ لي وارحَمني، واهْدِني واجْبُرْني وارزُقْني))؛ سنن الترمذي.
 
ومما قد يتضمَّن جبر الخواطر في القرآن الكريم:

قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [يوسف: 15]، فكان هذا الوحي من الله سبحانه وتعالى لتثبيت قلب يوسف عليه السلام ولجبر خاطره؛ لأنه ظُلِم وأُوذِي من أخوته، والمظلوم يحتاج إلى جبر خاطر؛ لذلك شرَع لنا جبرَ الخواطر المنكسرة.
 
ومثله قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [القصص: 85]، فرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أحبَّ مكةَ التي وُلِد فيها ونشأ، أُخْرِجَ منها ظُلْمًا، فاحتاج في هذا الموقف الصعب وهذا الفِراق الأليم - إلى شيء من المواساة والصبر، فأنزل الله تعالى له قرآنًا مؤكَّدًا بقسمٍ أن الذي فرض عليك القرآن، وأرسَلك رسولًا، وأمرَك بتبليغ شرعه، سيردُّك إلى موطنك مكة عزيزًا منتصرًا، وهذا ما حصَل.
 
ومثله أيضًا قوله تعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ [الضحى: 5]، وانظر إلى روعة العطاء المستمر في هذه الآية، حتى يصل بالمسلم لحالة الرِّضا، فهذه الآية رسالة إلى كل مهموم ومغموم، وتسلية لصاحب الحاجة، وفَرَجٌ لكل مَن وقَع في بلاءٍ وفتنة أن الله يجبُر كلَّ قلب لجأَ إليه بصِدْقٍ.
 
وقد ورد في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [إبراهيم: 36]، وقال عيسى عليه السلام: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: 118]، فرفع يديه، وقال: ((اللهم أُمَّتي أُمَّتي))، وبكى؛ فقال الله عز وجل: ((يا جبريل، اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسَلْه: ما يُبكِيك؟))، فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام، فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، وهو أعلمُ، فقال الله: ((يا جبريل، اذهَب إلى محمد، فقل: إنا سنُرضيك في أُمَّتك ولا نَسوؤك)).
 
نماذج عملية لجبر الخاطر:

ومن واقعنا العملي نماذجُ كثيرة شرَعها ديننا الحنيفُ لجبر الخواطر، وتطييب النفوس، لأجل ذلك كان من السنة تعزية أهل الميت وتَسليتهم ومواساتهم، وتخفيف الألم الذي أصابهم عند فَقْدِ ميِّتهم، وكذلك عند مشاهدة بعض الفقراء أو اليتامى شيئًا من قسمة الميراث، فمن الأفضل أن يُخصَّص لهم من المال شيء يَجبُر خاطرهم، ويسدُّ حاجتهم؛ حتى لا يبقى في نفوسهم شيء؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ [النساء: 8]، وفي قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾ [الضحى: 9، 10] أجمل تطييب للخاطر، وأرقى صورة للتعامل.
 
وكان من توجيهات ربنا سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، فكما كنتَ يتيمًا يا محمد صلى الله عليه وسلم، فآواك الله، فلا تقهَر اليتيم، ولا تذلَّه، بل طيِّب خاطره، وأحسِن إليه، وتلطَّف به، واصنَع به كما تحب أن يُصنَع بولدك من بعدك، فنهى الله عن نهر السائل وتقريعه، بل أمر بالتلطُّف معه، وتطييب خاطره، حتى لا يذوق ذُلَّ النَّهْر مع ذُلِّ السؤال.
 
وقد عاتَب الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أعرض عن ابن أمِّ مكتوم، وكان أعمى عندما جاءه سائلًا مستفسرًا قائلًا: عَلِّمني ممَّا علَّمَكَ الله، وكان النبي عليه الصلاة والسلام منشغلًا بدعوة بعض صناديد قريش، فأعرض عنه، فأنزل الله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ﴾ [عبس: 1 -4]؛ التفسير البسيط للواحدي (23 /210).
 
قال القرطبي في التفسير: "فعاتبه الله على ذلك؛ لكيلا تنكسِر قلوب أهل الإيمان"؛ تفسير القرطبي (20 /213).
 
ولا شك أن كل إنسان منا قد حفَر في ذاكرته أشخاصًا كان لهم الدور الفاعل والعمل الدؤوب بمواقف سُطِّرت وحُفِظَت؛ سواء بالقول أو الفعل، أو رسالة أو فكرة، أو كلمةِ خيرٍ جبَرت نفوسًا، وأثلجت صدورًا، فهذه المواقف تُحفَظ ولا تُنسى، كما لم يَنسَ النبي عليه الصلاة والسلام موقف المطعم بن عدي حين أدخله في جواره يوم عودته من الطائف حزينًا أسيفًا، فقال يومَ أَسْرِ أسرى بدر: ((لو كان المطعم بن عدي حيًّا، وكلَّمني في هؤلاء النَّتْنَى، لأجبتُه فيهم))؛ صحيح البخاري.

اضافة تعليق