انتصار العاشر من رمضان.. ملحمة يرويها الأبطال

السبت، 26 مايو 2018 12:04 م
أكتوبر

مثلت حرب العاشر من رمضان / 6 أكتوبر 1973، معركة رد الاعتبار للجيش المصري، الذي قضى على أسطورة الجيش الذي لا يقهر في تلك الحرب، واستعاد منه الأراضي التي احتلها في حرب يونيو 1967، وفيها أظهر الجنود الصائمون بطولات سطرت بأحرف من نور في تاريخ العسكرية.

خطة المآذن العالية خطة عسكرية أعدتها رئاسة أركان حرب القوات المسلحة المصرية في أغسطس 1971 أي بعد تعين الفريق سعد الشاذلي رئيسا للأركان في مايو 1971. وخطة "المآذن العالية" هي أول خطة هجومية تضعها القوات المسلحة المصرية بعد هزيمة عام 1967. طبقت الخطة في حرب أكتوبر خلال عملية بدر بعد أن عدل اسمها إلى "خطة بدر" في سبتمبر 1973 أي قبل نشوب الحرب بشهر.

استلهم القادة المصريون من انتصار النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة "بدر"، روح البطولة، وأعدوا خطة الحرب والانتصار في العاشر من رمضان باسم "الخطة بدر"، سبقت "العملية بدر" تدريبات بدأت في العام 1968، وبدأ التخطيط العملياتي في 1971 حتى ميعاد العملية، كما سبقها أيضًا العديد من العمليات الخداعية. 

جاء اختيار موعد شن الحرب، بناءً على عدة عوامل منها الموقف العسكري الإسرائيلي وحالة القوات المصرية والمواصفات الفنية للقناة من حيث حالة المد والجزر وسرعة التيار واتجاهه والأحوال الجوية، وذلك بهدف تحقيق أفضل الظروف للقوات المصرية وأسوأها للقوات الإسرائيلية، مع مراعاة أن يناسب التاريخ الجبهة السورية أيضًا. 

وحددت العديد من الدراسات، شهور مايو وأغسطس وسبتمبر وأكتوبر، باعتبارها الأنس للهجوم، وكان أفضلها أكتوبر لعدة أسباب منها أنه أفضل الشهور بالنسبة لحالة المناخ على الجبهتين المصرية والسورية، كما تجرى فيه الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية التي تجذب الإسرائيليين.


وفي ذلك اليوم، يكون الجيش الإسرائيلي في أقل استعداداته، نظرًا لأن يوم السبت - عيد الغفران - 6 أكتوبر 1973م - 10 رمضان 1393هـ، يوافق عطلة رسمية لدى الإسرائيليين، وهو اليوم الوحيد في السنة الذي تتوقف فيه الإذاعة والتليفزيون عن البث، مما سيتطلب إسرائيل وقتًا أطول لاستدعاء الاحتياطي الذي يمثل القاعدة العريضة لقواتها المسلحة.

في تمام الساعة الثانية ظهرًا، نفذت أكثر من 200 طائرة حربية مصرية ضربة جوية على الأهداف الإسرائيلية بالضفة الشرقية للقناة، وعبرت الطائرات على ارتفاعات منخفضة للغاية لتفادي الرادارات الإسرائيلية. 

واستهدفت الطائرات المطارات ومراكز القيادة ومحطات الرادار والإعاقة الإلكترونية وبطاريات الدفاع الجوي وتجمعات الأفراد والمدرعات والدبابات والمدفعية والنقاط الحصينة في خط بارليف ومصاف البترول ومخازن الذخيرة.

بعد عبور الطائرات المصرية بخمس دقائق بدأت المدفعية المصرية قصف التحصينات والأهداف الإسرائيلية الواقعة شرق القناة بشكل مكثف تحضيرًا لعبور المشاة، فيما تسللت عناصر سلاح المهندسين والصاعقة إلى الشاطئ الشرقي للقناة لإغلاق الأنابيب التي تنقل السائل المشتعل إلى سطح القناة.

وبعد أربع ساعات ونصف من لحظة الهجوم، عبر القناة 2000 ضابط و30 ألف جندي من خمس فرق مشاة، واحتفظوا بخمسة رؤوس كباري واستمر سلاح المهندسين في فتح الثغرات في الساتر الترابي لإتمام مرور الدبابات والمركبات البرية، وذلك ما عدا لواء برمائي مكون من 20 دبابة برمائية و80 مركبة برمائية عبر البحيرات المرة في قطاع الجيش الثالث وبدأ يتعامل مع القوات الإسرائيلية. 

على جبهة القتال، ظهرت بطولات الجنود الذين انتظروا تلك اللحظة طويلاً، للثأر لكرامتهم، والتعبير عن نفسهم بمنتهى الحزم والقوة.

يقول البطل محمد العباسي، أول من رفع العلم المصري على أول نقطة تم تحريرها وهى مدينة القنطرة شرق: يوم الجمعة 5 رمضان 1393 هجريًا الموافق 9 أكتوبر 1973 كنت مجندًا وتم تجمعينا وصلينا الجمعة في المسجد ودارت الخطبة حول المعارك التي خاضها الجيش الإسلامي خلال شهر رمضان ومكانة الشهيد في الإسلام وبعد الخطبة صلينا على علم مصر.

وأضاف: في يوم التالي 10 رمضان ، 6 أكتوبر جاءت الأوامر بعبور قناة السويس واقتحام قناة السويس لتحرير سيناء الحبيبة التي احتلتها إسرائيل عام 1967 وكنت في طليعة الجنود، وأثناء العبور كنت أشعر بان هناك قوة خفية تدفع القارب المطاطي، للأمام وعندما نظرت إلى الطائرات المصرية وهى عائدة بعد تنفيذ مهامها بنجاح شعرت بالسعادة والحماسة ثم نظرت إلى السماء فوجدت الله أكبر مكتوبة في السماء بخطوط السحب فقلنا: الله أكبر.

وتابع العباسي: بمجرد وصولي إلى أرض سيناء سجدت لله شكرًا وتواصل التمهيد النيراني وبدأنا في اقتحام دفاعات القوات الإسرائيلية في القطاع من شمال جزيرة البلاح حتى الكاب واقتحام نقطة حصينة لمعاونة أعمال قتال قطاع بورسعيد وزحفت أرضًا ولم أهتم بالأسلاك الشائكة أو الألغام.

واستطرد: عندما وصلت إلى الدشمة الإسرائيلية صعدت فوقها ومزقت العلم الإسرائيلي ورفعت العلم الإسرائيلي مكانه بعد 10 دقائق من العبور، وتم الاستيلاء على أول نقطة حصينة علي مستوى الجبهة وهى القنطرة واحد، وكان ذلك إيذانًا بالتحرير وبعد 50 دقيقة من العبور تم الاستيلاء على 6 نقاط وبقيت النقطة الحصينة القنطرة 3 ( بلدية القنطرة) محاصرة حتى يوم 7 أكتوبر 1973 ليتم الاستيلاء عليها قبل آخر ضوء يوم 7 أكتوبر، وبنهاية اليوم الأول للقتال تم الاستيلاء على جميع النقاط الحصينة وإحكام الحصار حول مدينة القنطرة.


أما البطل محمد المصري الذي دمر 27 دبابة إسرائيلية من بينها دبابة عساف ياجوري قائد اللواء 190 مدرع الإسرائيلي خلال المعركة ويعد صاحب الرقم القياسي العالمي في تدمير الدبابات، قال: قبيل المعارك بقليل كنت أستشعر أن يوم تحرير سيناء قد قارب وحرصت على التدريبات الكثيرة وتم اختياري ضمن الموجهين الأساسيين للصواريخ المضادة للدبابات وعندما صدرت إلينا الأوامر بعبور قناة السويس غمرتنا الفرحة وللحظة الأولى أثناء وصولنا إلى سيناء نثرت رمالها على جسدي وشاهدت قائدي البطل صلاح حواش يسجد على رمالها وهذا المشهد هزني هزًا وزاد من حماسي.

وأضاف: "أثناء المعارك على جبهة القتال كنت الكمين للدبابات الإسرائيلية وأذكر يوم الاثنين 12 رمضان 1393 الموافق 8 أكتوبر تقدمت القوات الإسرائيلية في هجوم مضاد وأصدر البطل حسن أبو سعدة أوامره بفتح الطريق أمامهم ثم عمل كماشة للقوات الإسرائيلية وتدميرها وحتى وصلت مقدمة القوات إلى الفردان، فوجئت بصواريخنا وتم تدميرها فهرب عساف ياجورى قائد اللواء 190 مدرع الإسرائيلي بعد تدمير دبابته، وتمكن البطل يسري عماره من أسره وفي مركز القيادة طلب عساف من البطل حسن أبو سعدة كوب من الماء ورؤية الجندي الذي دمر دبابته، وعندما وصلت سألني عن كيفية تدمير الدبابات بهذه الدقة والمهارة وظل يتفحصني وطلب تقبيل يدي فرفضت، وبعدها أعطاني التحية العسكرية وهنا ارتفعت روحي المعنوية لأنني أخذت بثأر قائدي البطل صلاح حواش الذي استشهد بعد هدوء المعارك بدانة إسرائيلية وكانت آخر كلماته لي: مصر أمانة بين أيديكم يا مصري. 

وقال البطل النقيب يسرى عمارة قناة السويس أحد أبطال الفرقة الثانية مشاة بالجيش الثاني: في 12 رمضان 1393 / 8 أكتوبر 1973 حاول اللواء 190 مدرع الإسرائيلي بقيادة اللواء عساف ياجورى القيام بهجوم مضاد واختراق القوات المصرية والوصول إلى النقط المصرية القوية التي لم تسقط بعد ومنها نقطة الفردان.

وفي لحظة فريدة تم تحويل المنطقة إلى كتلة من النيران وكأنها قطعة من الجحيم وكانت المفاجئة مذهلة مما ساعد على النجاح وفي أقل من نصف ساعة تم تدمير اللواء 190 مدرع الإسرائيلي.

بعد المعركة صدرت الأوامر بتطوير القتال والاتجاه نحو الشرق وتدمير أي قوة إسرائيلية سواء مدرعات أو أفراد وأثناء تحركي نحو الشرق شعرت برعشة في يدي اليسرى ووجدت دماء غزيرة على ملابسي واكتشف إصابتي وتم إيقاف المركبة والتفت حولي، فوجدت الإسرائيلي الذي أطلق النار علي فقفزت من المركبة وجرىت باتجاه الإسرائيلي، فأصيب بالذعر وعندما وصلت إليه أخرجت خزينة بندقيتي الآلية وضربته على رأسه فسقط على الأرض وسقطت بجانبه من شدة الإعياء.

يضيف عمارة: عقب إفاقتي واصلنا التقدم وعند طريق شرق الفردان لاحظت تورم يدي اليسرى وامتلاء جرحي بالرمال ولمحت مجموعة من الجنود الإسرائيليين يختبئون خلف طريق الإسفلت ووجدت أحدهم وهو يستعد لإطلاق النار علي، فتعاملت معه وأجبرته ومن معه على الاستسلام وكانوا أربعة وتم تجريدهم من السلاح وعرف أحدهم نفسه بأنه قائد حيث قال: "أنا جنرال.. لا تقتلوني.. أريد مقابلة قائدكم"، فتم تجريده من سلاحه ومعاملته معاملة إنسانية وفقا للتعليمات المصرية الأصيلة وتم تسليمه مع أول ضوء يوم الثلاثاء 9 أكتوبر 1973 / 13 رمضان 1393 وكان هذا القائد هو عساف ياجوري قائد اللواء 190 مدرع الإسرائيلي.

كان الأمر بمثابة صدمة للإسرائيليين، الذين ظنوا أن الجيش المصري لن تقوم له قائمة بعد هزيمة 1967، وهو ما عبرت عنه جولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل وقت الحرب.

ففي الساعة الرابعة من صباح يوم السبت 6 أكتوبر، تلقت مائير-كما تقول في اعترافاتها- معلومات "بأن المصريين والسوريين سوف يشنون هجومًا مشتركًا في وقت متأخر بعد ظهر نفس اليوم". وعلة الفور عقدت مائير اجتماعًا جرى من خلاله استعراض الموقف.

ولكن كما تقول مائير" كان هذا اليوم الوحيد الذي خذلتنا فيه قدرتنا الأسطورية على التعبئة بسرعة"! واجتمعت مائير عقب الاجتماع بزعيم المعارضة مناحم بيجين، وبالسفير الأمريكي في إسرائيل.

وعند الظهر عقدت مائير اجتماعًا للحكومة الإسرائيلية للبحث في تعبئة قوات الاحتياطي، وفجأة وقبل أن ينتهي الاجتماع، فتح باب قاعة الاجتماعات واندفع سكرتير مائير العسكري نحوها ليبلغها بأن الهجوم قد بدأ. 

تقول مائير: "في نفس اللحظة سمعنا صوت صفارات الإنذار في تل أبيب وبدأت الحرب"، وتتابع مائير في اعترافاتها: "ليت الأمر اقتصر على أننا لم نتلق إنذارات في الوقت المناسب بل إننا كنا نحارب في جهتين في وقت واحد ونقاتل أعداء كانوا يعدون أنفسهم للهجوم علينا من سنين". 

وتستطرد في اعترافاتها:" كان التفوق علينا ساحقًا من الناحية العددية سواء من الأسلحة أو الدبابات أو الطائرات أو الرجال.. كنا نقاسي من انهيار نفسي عميق.. لم تكن الصدمة في الطريقة التي بدأت بها الحرب فقط، ولكنها كانت في حقيقة أن معظم تقديراتنا الأساسية ثبت خطؤها. فقد كان الاحتمال في أكتوبر ضئيلًا".

فلم تكن الصدمة في إسرائيل، وفق "مائير"، في طريقة الحرب بقدر ما أثبتت أن عددًا من الافتراضات الأساسية ثبت خطؤها، كاحتمال الهجوم في أكتوبر ضئيل، واعتقاد وصول إنذار كافٍ قبل الهجوم، وعدم قدرة المصريين على عبور قناة السويس.

تقول "مائير"، إنه من بين أسباب الهزيمة التوقيت، حيث في يوم الغفران، أكثر أيام التقويم اليهودي خشوعًا وقداسة، ويمتنع فيه اليهود عن الطعام والشراب، ويقضون أوقاتهم في المعبد للصلاة والاستغفار عن الخطايا التي ارتكبوها طيلة العام.

في يوم الغفران، الحياة في إسرائيل تتوقف، لا صحافة أو تليفزيون أو إذاعة أو عمل أو مطاعم، بجانب أن معظم جنود الجيش في إجازة يقضون العيد مع عائلاتهم، وهذا سبب يكفي للهزيمة، كما رأت "مائير".

اضافة تعليق