افتح قلبك لرمضان .. يكن رمضانك الأول!

الجمعة، 25 مايو 2018 09:59 م
5201818212616424799581


في قلبك مغارات ومغارات،  وفيه أيضاً كهوف مغلقة، وأرض مجهولة وبقاع سريّة،  في قلبك أماكن لا يعرفها أحد، ولا أنت، بل أنت ذاتك لا تعرفها
 !
وفيه كواكب ومجرّات لم تطأها قدم إنسان، وفيه غرف سرّية لا يعرف مداخلها أحد،  وفيه صحارى وغابات عذراء، وفيه قارات مجهولة غاطسة تحت قاع البحر، وفيه كواكب ونجوم لم يرصدها (تلسكوب) بعد، ومجرات لا تزال تتوالد، وتتراكض في كون متمدد باستمرار.

وفيه أهم من ذلك كله، وقبل ذلك كله، أنت: حفنة من هموم ومشاكل، عقد ومخاوف، هواجس وذكريات.. ماضٍ مليء بالمتاعب، ومستقبل ملبّد بالغيوم، وفيه أيضاً الكثير من الدخان: دخان السجائر التي ينفثها قلبك باستمرار، حتى صار يبدو مثل محرّك معطوب
 !
وفي قلبك قفل، وعلى القفل متراسٌ ومزلاج،  وعليه أيضاً بيتُ عنكبوت، وعشّ حمامة، لم يقترب من القفل أحد
 !
وأقول لك: افتح لرمضان قلبك،  اترك عمليات الفتح التقليدية الأخرى، وهذا (الرمضان) افعل شيئاً استثنائياً وافتح قلبك لرمضان
.
رغم أنك تصوم منذ قرون، دعه يكون رمضانك الأوّل!
دع رمضان يدخل، رغم أنك تصوم منذ قرون دعه يكون رمضانك الأول، منــذ فترة  طويلــة، وعــبر الســنوات المتعاقبــة، ومــع كل رمضـان يهـل هلاله،  كنـت ألحظ باسـتغراب شـديد، أن الفقهـاء والخطبـاء والوعـاظ عـى المنابـر، وفي البرامج التلفازية والإذاعية،  يعاملـون رمضـان كمـا لـو كان أول رمضـان يمـر على المسلمين،  أو كمـا لـو أن أحـكام الصيـام قـد فرضـت للتـو. كل رمضـان يعـاد الحديــث نفســه عــن أحــكام الصــوم وشوطــه وأعــذاره، وكل التفاصيل الأخرى التي تعـاد وتكـرر؛ ابتـداء مـن نيـة الصيـام إلى زكاة الفطر.

وكان ذلــك يثــير استغرابي، هذا التكرار والعجن، في أمور يفترض أن تكــون مــن المعلومــة بالضرورة،  كمــا يقولــون، وكنت أعزو ذلك في البداية إلى الغباء، غباء الخطباء أو غباء الناسأ أو إلى قلة الموضوعات التي يجيدون التحدث عنها، فيكون رمضان وأحكامه وسيلة لملأ الفراغ لا أكثر.

ثم لانت نظرتي بالتدريج، ربما كانوا يكررون هذه المعلومات من أجل الناس الجدد الذين يصومون لأول مرة.
ثم أخذت أفكر أنهم ربما يفعلون لك من أجل التذكرة، والذكرى تنفع المؤمنين.

ثم فهمت، وصلت لمعني الحكمة الخفية التي ربما كان هؤلاء الخطباء يجهلونها شخصيا عندما يتحدثون عن رمضان  كما لو أنه أول رمضان يمر على المسلمين.

يحدث ذلك ببساطة، لأنه كذلك فعلا، أو على الأقل هو كذلك بالنسبة لغالبية الصائمين، كانوا يصومون طوال سنوات وربما حريصين على ذلك، لكن رمضان لم يدخل قلوبهم، لم يدخل أعماقهم.

كان صيامهم مرتبط بالعادات والتقاليد والطقوس الجماعية وربما الفولكلور، أكثر مما كان مرتبطا بمعني رمضان وحكمته، دخل رمضان جيوبهم فأفرغها، ودخل أشداقهم الممتلئة بالحلوى والمكسرات الشهية، ودخل عيونهم فأمتعها بالمسلسلات والفوازير البهيجة، ولكن العنكبوت والحمامة ظلا على القفل الذي على قلوبهم، فلم يدخل رمضان.
ولذلك، وفي كل سنة، إذا ما دخل رمضان، حقا سيكون أول رمضان.



من كتاب "الذين لم يولدوا بعد"
د. أحمد خيري العمري

اضافة تعليق