أفضل صديق في رمضان.. تعرف عليه

الجمعة، 25 مايو 2018 01:32 م
أفضل صديق في رمضان


رمضان.. هذا الشهر الذي تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب جهنم وتصفد فيه الشياطين، لهو فرصة كبيرة لعودة كثير من المسلمين المسرفين على أنفسهم إلى الله.. شَهْرُ الطَّاعَةِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ، شَهْرُ الْحَسَنَاتِ وَمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ، شَهْرُ الْبَرَكَةِ وَالْخَيْرِ، وَلَيْسَ هَذَا فِي الْعِبَادَاتِ فَحَسْبُ، وَإِنَّمَا هُوَ كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ نَوَاحِي الْحَيَاةِ، فِي تَعَامُلَاتِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وَفِي أَمْنِهِمْ وَحَيَاتِهِمْ.

وهاهو قد عاد رَمضانُ.. وعَادَ بالصِّيامِ لِربِّ الأَرضِ والسَّماواتِ، عَادَ بظَمَأِ الهَواجِرِ ومُكابَدَةِ السَّاعاتِ، عَادَ بالتَّخَلِّي عَنِ الشَّهواتِ والطَّيباتِ، عَادَ بالتَّجَرُّدِ للهِ عَز وجَلَّ؛ قَالَ رَسُولُكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي" متفقٌ عليهِ.

عَادَ رمضان بفَرحَةِ الصَّائمينَ بصَومِهِمْ في الدُّنيَا والآخِرةِ، لَهُمْ خُلُوفٌ هو أَطيبُ عندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسكِ؛ قَالَ رَسُولُكُم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، ولِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ". متفقٌ عليهِ.

وبالطبع عَادَتْ مَعهُ صُحْبَةُ القُرآنِ، تِلكُمُ الصُّحبَةُ التي هِيَ خَيرُ صُحبةٍ، فلَنْ يَجِدَ الْمَرءُ صُحبةً هِيَ أَفضلُ ولا أَعظَمُ ولا أَحسنُ مِن صُحبَةِ القُرآنِ الكَريمِ الَّذِي ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [فصلت: 42].

هو كتابُ اللهِ ﴿ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 57] هو كِتابُ اللهِ ﴿ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 9]، هو كتابُ اللهِ.. مَنْ قَرَأَ مِنْهُ حَرْفًا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، هو كِتابُ اللهِ.. مَنْ طَلَبَ الْهِدَايَةَ مِنْهُ هُدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الضَّنْكُ الْمُبِينُ؛ قَالَ رَبُّ الْعِزَّةِ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 124 - 127]

ولَقدْ عَادَ رَمضانُ.. وعَادَ مَعهُ ذِكْرُ اللهِ تعَالى، فإنَّ مِنْ عَظِيمِ فَضْلِ الذِّكْرِ -وَكَفَى بِهِ فَضْلاً- أَنَّ اللهَ يَذْكُرُ مَنْ يَذْكُرُهُ، وَيُدْخِلُهُ فِي مَعِيَّتِهِ وَيَحْفَظُهُ بِحِفْظِهِ؛ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ".

عادَ رَمضانُ.. وعَادَ مَعهُ الإِكثارُ مِنَ العَملِ الصَّالحِ، مِن البِرِّ والصِّلةِ والرَأفَةِ والرَّحمةِ والعَفوِ عَنِ النَّاسِ وإِزَالةِ الشَّحناءِ والبَغضَاءِ؛ فالمؤمنونَ لاَ يَمَلُّونَ مِنَ الأَعمالِ الصَّالحاتِ، بَلْ يَفعَلُونَ ويَفعلُونَ ويَرَوْنَ أنَّهُم مُقَصِّرونَ.

وكَيفَ يَدَّعِي الإِيمانَ مَن يَبتَعِدُ عَنِ العَملِ الصَّالحِ؛ فَإيمَانٌ بَلَا عَمَلٍ كَبَدَنٍ بَلَا رُوحٍ، إيمَانٌ بَلَا عَمَلٍ دَعْوَى كَاذِبَةٌ، إيمَانٌ بَلَا عَمَلٍ لَا يَصِحُّ وَلَا يَكُونُ، وَلَيْسَ أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنِ اقْتِرَانِ الْإيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي جَمِيعِ آيِ الْقُرْآنِ، مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴾ [الكهف: 30]، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴾ [الكهف: 107]، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ﴾ [لقمان: 8].

لَقدْ عَادَ رَمضانُ.. وعَادَ مَعهُ القِيامُ والوُقُوفُ بينَ يَدَيِ اللهِ تعَالَى؛ ولقَدْ جَعلَ اللهُ في القِيامِ بَينَ يَدَيْهِ وَسِيلَةً لغُفرَانِ الذُّنوبِ والصَّفحِ عَنِ العُيُوبِ.

يَقولُ رَسولُكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" مُتفقٌ عَليهِ، وقَالَ: "مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ" رواهُ أَصحابُ السُّنَنِ.. فمَا أَجملَ هذَا الفَضلَ، ومَا أَحْسَنَ هذَا العَطَاءَ.. وللهِ دَرُّ أَقوامٍ جَاهَدُوا واجتَهَدُوا وقَامُوا باللَّيلِ بينَ يَدَيِ اللهِ قَانِتِينَ يَرجُونَ رَحمَتَهُ ويَخافُونَ عَذَابَهُ ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 9]، ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ [الإسراء: 57].

عَادَ رَمَضانُ.. وعَادَ مَعهُ الْجُودُ والكَرَمُ والصَّدَقةُ؛ فقدْ كَانَ حَبيبُكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ.

عَادَ رَمضَانُ.. وعَادَ مَعهُ العِتْقُ مِنَ النَّيرانِ، فَلْيُشَمِّرْ كُلٌّ مِنَّا عَنْ سَاعِدِ الْجَدِّ، ولْيَسْعَ كُلُّ عَبدٍ في فِكَاكِ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ؛ فقَدْ قَالَ حَبيبُكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ" رواهُ التِّرمِذِيُّ وابنُ مَاجَهْ.

نَسأَلُ اللهَ سُبحانَهُ أَنْ يَجعَلَنَا فِي رَمضَانَ مِنَ المتَوكِّلِينَ فيهِ عَليهِ، الفَائِزِينَ فيهِ لَدَيْهِ؛ المقَرَّبِينَ فيهِ إِليهِ إنَّه عَلَى كلِّ شَيءٍ قَديرٌ وبالإجابةِ جَديرٌ.

اضافة تعليق