هكذا اختبر الله المسلمين في «الصيد»

الجمعة، 25 مايو 2018 11:51 ص
3


قال تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (سورة المائدة)
- في عام الحديبية السنة السادسة للهجرة.. نزلت هذه الآية والمسلمون في طريقهم من المدينة المنورة إلى مكة، تحذرهم أن الله تعالى سيقيم لهم اختبارا في طريقهم.
يقول الطبري: (غشيَ المسلمين صيدٌ كثير في طريقهم، فصار يترامى على رحالهم وخيامهم، وكانوا يقدرون على أخذه بالأيدي، وصيد بعضه بالرماح، ولم يكونوا رأوا الصيد كذلك قط)
-- وهو اختبار أشبه بما حدث ليهود "أيلة" الذين ابتلاهم الله تعالى بالحيتان يوم السبت، أما المسلمون فتجاوزا الاختبار بفضل الله تعالى فاستحقوا أن يقول الله فيهم "كنتم خير أمة أخرجت للناس"
------------------------------------------------
خمس فوائد من القصة:
1** الأولى: أن علم المختبرين بالاختبار مسبقا، هو رحمة من الله، وهو كمال العدل:
- ومن أخبر بالابتلاء، وعرف حكمة تعرضه له، وحذر من الوقوع فيه; وبذلت له كل أسباب النجاح فيه، إذا هو اعتدى بعد ذلك كان العذاب الأليم جزاء حقا وعدلا
- إذن فمقتضى العدل أن يعرف المرء فيمَ سيختبر وإلامَ سيحتكم
= وهذا ما يعاني منه جماهير الناس في البلاد الظالمة، حين يحكم بالهوى والمزاج بلا قواعد واضحة سلفا تطبق على الجميع، فجريمة اليوم قد تكون عفوا غدا وعفو اليوم ينقلب لجريمة غدا
= وإن احتكام الناس لقانون واضح وسارٍ على الجميع ولو كان به بعض التجاوز والمشقة لهو أعدل من احتكامهم إلى هوى السلطان وهوى المسارعين في رضاه
------------------------------------------------
2** الثانية: أن علة الاختبار "ليعلم الله من يخافه بالغيب"، وفي هذا تربية للمجتمع أفرادا وجماعات أن يخلقوا في أنفسهم ضمائر حية يرتدعون بها ذاتيا عن الحرام، وإن لم تلحظهم عين رقيب من أهل الدنيا
= فمراقبة الله تعالى وغرسها في الناس خير من ألف قانون يستطيع الناس الاحتيال عليه أو الاختفاء منه
------------------------------------------------
3** الثالثة: أن الله تعالى جعل الصيد سهلا ميسورا فقال "تناله أيديكم ورماحكم" في حين أنه في الطبيعي يكون صعبا.. فلمَ؟
الجواب:
- هذا جزء من الاختبار، أي سهولة الحصول على المحرم مع وجود الإغراءات الداعية إليه من شدة الحاجة أو الطمع، وهذا على ما فيه من مشقة نفسية جزء من قدر الله تعالى على البشر في اختبارهم، وفي ذلك يكمن الاختبار
- فليس لأحد حجة في أن يترك حسن الخلق والصدق والأمانة إلى الفحش والكذب والرشوة واختلاس المال العام وخداع الناس، ويتذرع بشدة حاجته إليه أو بأن المجتمع فاسد، أو بأن الله هو من سهله له
------------------------------------------------
4** الرابعة: ماذا لو جعل الله تعالى الصيد صعبا عليهم؟ أليس هذا أسلم لهم من كونه سهلا ومحرما؟
الجواب:
- هذا بالطبع أيسر على النفس من مشقة سهولته مع منعه
= فإذا أقررت أن صعوبة الوصول للحرام أيسر للنفس من سهولته وحرمته، فتأمل: كم منع الله عنك (بعض الأوقات) أسبابا لو ملكتها لكانت سبيلك إلى المعصية والوقوع في المحرم.. ألا تقر أنه منعك ليحفظك من ضعف نفسك.. ألا تقر أن المنع من بعض الأسباب التي تتمنى الحصول عليها قد يكون نعمة أعظمَ من الحصول عليها فتستعين بها على الحرام
= وقد صدق ابن عطاء الله في حكمته "إن منعه إياك هو عين العطاء لك"
------------------------------------------------
5** الخامسة: هل الله تعالى يحتاج لاختبار خلقه ليعلم من يخافه ومن لا يخافه؟ بالطبع لا.. ففيمَ الاختبار إذن؟
الجواب:
- أن الله سبحانه لا يحاسب الناس على ما يعلمه عنهم علما لدُنيًّا، إنما يحاسبهم على ما يقع منهم، فلا تكون لهم حجة
= فإذا كان هذا حال الخالق مع المخلوقين، فما بالنا أحيانا نحاسب الناس مسبقا على ما نتوقعه منهم أو نظنه فيهم ولا نجزم به، فتكون لنا منهم مواقف مسبقة ليس لها أي سند من الواقع إلا الظنون.

اضافة تعليق