من قصة موسى مع قومه.. نستلهم مفهوم الحرية

الجمعة، 25 مايو 2018 11:10 ص
من قصة موسى مع قومه

ذكر سبحانه وتعالى قصة موسى مع قومه لما أمرهم أن يدخلوا الأرض المقدسة، قال تعالى: "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن الْعَالَمِينَ{20} يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ{21} قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ{22} قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{23} قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ{24} قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ{25} قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ{26} (سورة المائدة)".

-- بعد أن ذكرهم موسى بإنجاء الله لهم من فرعون وبالمن والسلوى وما أنزل الله لهم من خيرات الطعام دون عناء، وما فجر لهم من عيون الماء من الصخرة حتى جرت لكل سبط منهم عين خاصة، فكانت اثنتا عشرة عينا.. وكل هذه نعم أتتهم دون جهد منهم أو عناء

-- بعدها أمرهم موسى أمرا مصحوبا بوعد.. هذه المرة يريد الله أن يمن عليهم بوطن يستقرون فيه ويملكون فيه زمام أنفسهم، لكن هذه المرة وهذا الوعد، الذي لا يتخلف لأنه وعد من الله، يحتاج الأمر إلى جهد منهم

-- فأمرهم موسى أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم دخولها بشرط أن ينفروا هذه المرة لأخذ حقوقهم بجهدهم وجهادهم

** فأبى القوم وقالوا "يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها" فخافوا وجبنوا

** فقام منهم رجلان مؤمنان يقولان: "ادخلوا عليهم الباب" فهذا دوركم الذي أمركم الله به "فإذا دخلتموه فإنكم غالبون" لأن هذا هو الوعد الذي وعدكم الله به، "وعلى الله توكلوا" فهذا هو صحيح الإيمان

** يعيد القوم جوابهم في حزم وحسم "لن ندخلها أبدا ما داموا فيها" لن نضحي بأنفسنا ولن نتحمل تبعة حريتنا، "فاذهب أنت وربك فقاتلا" فإن حررتمونا تحررنا، أما نحن فلن نضحي بشيء

-- حتى روي أن بعضهم تمنى العودة لمصر على ألا يطلب منه الجهاد والتضحية بنفسه فقالوا "ليتنا متنا بمصر ولم نشهد هذا"

** فكتب الله تعالى عليهم التيه أربعين سنة، حتى يخرج من صلبهم جيل ترعرع في حرية ولم يذق طعم المذلة فيجاهد ويحقق وعد الله تعالى للقوم

** وقفات مع طبيعة الشعوب المستكينة المنهزمة:
1-- الشعوب التي نشأت في مذلة تستمرئ حياة الذل، بل تفضل المذلة مقابل لقمة عيش على أن تغامر بنفسها فتضحي للحصول على حريتها ولتملك زمام نفسها، فتراهم يرفضون أي ضريبة من لقمة عيشهم أو من نفوسهم مقابل أن يحيوا أحرارا

2-- تلمح في قولهم "إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها" حزما وحسما في قرار الحياة بمذلة، فعجيب أمر هذه النفوس التي لا تعرف الحسم إلا في اتجاه ذلها، ذلك لأنه حسم غير محفوف بمخاطر فهو حسم كاذب

= أما الحزم الحقيقي فهو ما يكون في سبيل المبادئ السامية وعلى رأسها الحرية وامتلاك الإرادة
وصدق حكيم الشعراء المتنبي حين قال:
لولا المشقة ساد الناس كلهم *** الجود يفقر والإقدام قتال

3-- التيه الذي ضربه تعالى عليهم أربعين سنة روى المفسرون أنه مات فيه كل من كان أكبر من عشرين سنة إلا الرجلان المؤمنان وهما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا
ذلك يشير إلى أن الجيل الأكبر سنا والذي ترعرع في المذلة والاستعباد هو أقرب الأجيال إلى الموادعة وقبول الهوان، يميل لها لكثرة ما خبر في الحياة من مذلة فييأس من التغيير ويصبح ويمسي ولا هم له إلا لقمة عيش، ولم يجرب يوما عملا فيه بطولة، وكل غايته أن ينال رضا من استعبده

= وهذا بالطبع ليس على التعميم بل على الأغلب والأكثرية، فقد كان الرجلان المؤمنان من جيل الكبار

4-- ضرب الله التيه على بني إسرائيل أربعين سنة ليحيى منهم جيل جديد في حرية لا استعباد معها، ولا مذلة، ويحيى معتمدا على نفسه وعلى كده وتعبه في تأمين لقمة عيشه

مثل هذه النشأة، حين تنضاف إلى ما في طبيعة الشباب من ميل للتغيير وتمرد على الواقع، تخلق جيلا قويا لا يستسلم لمستعبد ولا يرضى بهوان، جيلا يضحي بنفسه في سبيل حريته، جيلا يعلم أن الحرية والحقوق لا تمنح بل تنتزع انتزاعا، جيلا يعلم أن الموت في عزة خير من الحياة في مذلة

= وبمثل هؤلاء فقط تنبى الأمم والممالك والحضارات، فهذا الجيل من بني إسرائيل هو من وضع اللبنات الأولى في ممالك بني إسرائيل على مر التاريخ

5- إذن فسنة الله تعالى ألا ينتقل بشعب من الشعوب من المذلة للحرية دفعة واحدة، بل لابد من جيل وسيط يمثل مرحلة انتقالية قد تمتد أربعين سنة، وهو جيل التأسيس، هذا الجيل ربما يكون هو أكثر الأجيال معاناة لكنه يظل أشرفها أبدا على مدار التاريخ.

اضافة تعليق