لماذا رمضان لدى البعض ضيفاً ثقيلاً عابراً؟!

الأربعاء، 23 مايو 2018 11:16 م
33154446_1849272378470877_2656870922538975232_n

هل تشعر أن رمضان يهبط ضيفا ثقيلا، ثلاثون يوما، تتطلب تغييرات مزعجة في روتين الحياة المعتاد، وتكبّل المرء بقيود منها المرئي المشهود كمواعيد الإفطار والسحور والصلوات، وقيود أثقل غير مرئية تَحكُم الأهواء والملذات عامة وتفرض على البعض حساسية رقابة يعدّون أيامها عدّا لحين "التحرر" منها والانطلاق الفسيح بعدها؟!

ترى، ما الذي يجعل البعض لديه هذا الشعور الذي يستحي من الجهر به، والذي يجري على الحقيقة ليثقل علينا شعورنا برمضان وبأنفسنا فيه؟
أننا في خِضَم عصر السعي المحموم والشهوات المستعرة اليوم وبحسب الدكتورة هدى النمر اختصاصية عمران الذات، ما كنا -في غالبنا- لنتكلّف مثل هذه الوقفة طواعية، ولا لهذه المدة، ولا دون مقدّمات وملطّفات تهوّن علينا وقعها،  لذلك كانت الإلزامية في حد ذاتها فضلاً عظيماً، لولا أننا في تعاملنا مع رمضان نتوقف عند حدود الإلزام ولا ندقق النظر لنفهم ما يُراد من ورائه، وما يمكن أن يحمل من منافع لنا على كُره منا!

ويمكن تقريب الصورة بمثال طفل مريض تجبره أمّه على نوع حِمية معيّنة أو تمنعه من ممارسة أنشطة محببة لأن الطبيب المختص أوصى بهذا لعلاج مرضه،  إن الطفل لا يرى من الصورة الكلية إلا الإلزام على ما لا يحب والمنع مما يحب، ولا يعي حقيقة مصلحته الواقعة بين هذين، ولا يقدّر –من باب أولى- عظيم فضل الأم عليه إذ تثابر على مصلحته وتُلزِمه بها رغم سخطه وربما ثورته عليها!

ومن هنا كان منشأ الثّقَل الأول لهذا الزائر: هبوطه الاضطراري في منازلنا واضطرارنا الإجباري على استقباله والامتثال لطقوسه، إن رحمة الله في طيات الإكراه.
نشعر أن رمضان ضيفا ثقيلا، لأنه على مدار سنوات متتالية من نهج حياتنا العصرية الآن أصبح يغلب علينا اتباع الهوى والركون للغفلة والركض في دوامات المعيشة ومواكبة التحديات التي يمليها علينا المجتمع كيفما اتفق، تُظِلم في وعينا جوانب نتلهّى عنها ونغفلها ويثقل علينا تذكّرها إلا عَرَضًا، تذكرةً لا ينبني عليها تغيير جذري في نهج الحياة ذاك،  فغدت الديانة اليوم وقضاياها على المستوى الشخصي في نسق حياة الفرد المسلم كترانيم ينشدها حين موعظة، ثم ينصرف بعدها لحياته ومزاجه دون أي تكاليف "حقيقية" أو "عملية" مترتبة على الإيمان "النظري" بتلك الديانة، سواء في تصوراته وسلوكه وأولويات مشاغله وغاية معيشته... إلخ.

ثم يأتي رمضان ليجبرنا على تسليط الضوء بقوة على تلك الجوانب الغارقة في الظلام، والضوء الساطع –على نفعه- يؤذي من اعتاد الظلمة الدامسة.
 لذلك يثقل رمضان جدًا على من اعتاد عدم محاسبة نفسه ومساءلتها ومراجعتها، واعتاد على ترك أيامه تمضي كيفما اتفق وفيما يمليه عليه المزاج دون نظر في العواقب أو تفكّر في قيمة العمر، واعتاد على الانغماس في العالم المادي بمحسوساته وملذاته.

إن واقعنا يقول أن الجوارح الظاهرة "السمع والبصر واللسان"،  في أقصى استنفار لها على الدوام، في مقابل ضمور شديد للجوارح الباطنة كالبصيرة والتفكر والتدبر وحوار النفس، وأي خاطر متعلق بذلك العالم الغيبي حيث الموت والحساب والآخرة والجنة والنار!

ومن هنا صار الغالبية في وقع قدوم رمضان عليهم بين فريقين: فريق يترقّبه ضيفًا عابرًا يتحمله فترة ويجاريه على مضض ليمضي لشأنه بعدها، وفريق يُبتَلى به مستعمرًا اجتاح عليه معاقل الهوى والملذات فهو يعد أيام الخلاص من أسره والتحرر من ضوابطه!

لذلك تفوتنا مقاصد رمضان وآثاره الحياتية رغم التزامنا الصيام والقيام سنوياً، بسبب ذلك التصور الكامن في النفوس من التقيّد فيه والتحرر بعده كأن لا رابط بينه وبين ما يسبق أو يلي من حياة، فأنّى يكون رمضان جزءًا من حياتنا وحيواتنا ليست جزءًا من الديانة الكلية بداية؟!



اضافة تعليق