صيام الصحابة في رمضان.. جهاد بالنهار وقرآن بالليل

الأربعاء، 23 مايو 2018 01:30 م
صيام-الصحابة-في-رمضان



يغفل الكثير من المسلمين عن اغتنام الفرصة في شهر رمضان من تحصيل الطاعات والخيرات، والتمسك بالهدية التي أهداها لنا الله سبحانه وتعالى، فينصرف عن قراءة القرآن بمشاهدة المسلسلات والجلوس على المقاهي، والاستمرار في عادة اللهو التي يحرص عليها طوال العام، ليتحول شهر رمضان عند البعض بخلاف ما جعل له من العبادة.

وقد أدرك الصحابة الأبرار الفضل العظيم لشهر رمضان عند الله تعالى فكان ذلك سببا في اجتهادهم في العبادة مابين صيام وقيام وتفطير صائم وعطف على الفقراء والمساكين، مع ما كانوا فيه من جهاد لأعداء الله لتكون كلمة الله هي العليا.. وهكذا حوى تاريخهم صورا مشرقة وقدوات مباركة في كل أحوالهم من عبادة وجهاد وتزكية للنفوس ونفع للناس.

الإفطار مع المساكين

ومن عجيب أحوال ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان لا يفطر في رمضان إلاّ مع المساكين ويحافظ على ذلك باستمرار فإذا منعهم أهله عنه لم يتعش تلك الليلة!.

وكان رضي الله إذا جاءه سائل وهو على طعامه اخذ نصيبه من الطعام وقام فأعطاه السائل فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة من الطعام فيصبح صائما ولم يأكل شيئا!.

قرآن بالليل والنهار

كان بعض السلف يختم في قيام رمضان فقط كل عشر ليال وبعضهم في كل سبع وبعضهم في كل ثلاث.

وكان بعضهم يختم القران كل يوم مرة منهم الصحابي الجليل ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان - رضي الله عنه -.

وكان للإمام الشافعي - رحمة الله - ستون ختمة في رمضان يقرؤها في غير الصلاة!.
وكان سفيان الثوري - رحمه الله - إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القران.

قصة التراويح

في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -عندما صلى في المسجد من جوف الليل فصلى بصلاته ناس من أصحابه ثلاث ليال فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله - أي امتلا من الناس - فلم يخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما أصبح قال - صلى الله عليه وسلم -: "قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم وذلك في رمضان"،

وقد تجدد ذلك في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عندما دخل ليلة رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرّهط فقال عمر - رضي الله عنه -: "والله إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكن أمثل"، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب فلما خرج في ليلة أخرى فوجدهم يصلون بصلاة قارئهم قال: نعمت البدعة هذه.

وكان قتادة يختم في كل سبع دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر في كل ليلة .

عبدالله بن عمرو بن العاص:

كان عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه - شديد الاجتهاد في العبادة؛ كما في صحيح البخاري عن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يا عبدالله، ألم أُخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟))، فقلت: بلى يا رسول الله، قال: ((فلا تفعل، صُم وأَفطِر، وقُم ونَم، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا، وإن لزَوْرك عليك حقًّا، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإن ذلك صيام الدهر كله))، فشَددتُ، فشدَّد عليّ، قلت: يا رسول الله، إني أجد قوة، قال: ((فصم صيام نبي الله داود - عليه السلام - ولا تَزِد عليه))، قلت: وما كان صيام نبي الله داود - عليه السلام؟ قال: ((نصف الدهر))، فكان عبدالله يقول بعد ما كَبِر: يا ليتني قبِلت رُخصة النبي - صلى الله عليه وسلم".

أنس بن مالك:

وعن أنس - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي في رمضان، فجِئت فقُمت إلى جنبه، وجاء رجل آخر فقام أيضًا، حتى كنا رهطًا، فلمَّا حسَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّا خلفه، جعل يتجوز في الصلاة، ثم دخل رَحْله، فصلى صلاة لا يصليها عندنا، قال: قلنا له حين أصبحنا: أفطِنت لنا الليلة؟ قال: فقال: نعم، ذاك الذي حملني على الذي صنَعت، قال: فأخذ يواصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذاك في آخر الشهر، فأخذ رجال من أصحابه يواصلون، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ما بال رجال يواصلون؟ إنكم لستُم مثلي، أما والله لو تمادَّ لي الشهر، لواصلت وصالاً يَدَع المتعمقون تعمُّقهم)).

في هذا الموقف دلالة على حرص أنس بن مالك - رضي الله عنه - على الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك انطلاقًا من قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].

أبو هريرة:

روى أبو نُعيم في الحِلية عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه كان وأصحابه إذا صاموا قعَدوا في المسجد، وقالوا: نُطهر صيامنا، يحفظون صيامهم من اللغو والرفَث وقول الزور، ومن كل ما يُفسده أو ينقص أجره.

وعن أبي زياد مولى ابن عباس عن أبي هريرة قال: كانت لي خمس عشرة تمرة، فأفطرت على خمس تمرات، وتسحَّرت بخمس، وبقِيت خمس لفطري، وإن كان هذا الاقتصاد من قلة الطعام، إلا أن أبا هريرة - رضي الله عنه - يخشى من الشِّبَع، ويحذر عاقبته، فيقول في ذلك: ويلٌ لي من بطني، إذا أشبَعته كظني، وإذا أجعته سبَّني.

وكان أبو هريرة - رضي الله عنه - هو وامرأته وخادمه يتعقبون الليل أثلاثًا، يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا، ثم يوقظ هذا، فيكون منزله في الليل كله لا يخلو من قائم يصلي، وإن كانت هذه الحال ليست مقصورة على ليالي شهر رمضان، بل إن اجتهاده في شهر رمضان أشد، فهو الراوي لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه)).

زيد بن ثابت:

وأخبر زيد - رضي الله عنه - أنه تسحَّر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قام إلى الصلاة، فلو تأمَّلنا سبب سَحور زيد بن ثابت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخاصة أن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - ما كان ينام عند رسو الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يكون سحوره عارضًا، بل كان مقصودًا، وأن السبب في ذلك من أجل أن يتعلم الهدي في السحور فيما يتعلق بوقته والسنة فيه.

ويدل على ذلك سؤال أنس بن مالك - رضي الله عنه - لزيد بن ثابت - رضي الله عنه - كم كان بين الأذان والسحور؟ وقد ورد الحديث بألفاظ أخرى، فعند البخاري في موضع آخر: عن قتادة عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وزيد بن ثابت - رضي الله عنه - تسحَّرا، فلما فرَغا من سَحورهما، قام نبي الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الصلاة، فصلى، فقلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سَحورهما ودخولهما في الصلاة، قال كقدر ما يقرأ الرجل خمسين آية)).

سعد بن معاذ:
ومن مواقف سعد بن معاذ - رضي الله عنه - هو تفطيره لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رواه ابن ماجه بسند صحيح عن عبدالله بن الزبير، قال: أفطر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند سعد بن معاذ - رضي الله عنه - فقال: ((أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلَّت عليكم الملائكة)).

ونجد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أفطر عند سعد بن معاذ - رضي الله عنه - وهذا خير جزيل ساقه الله - سبحانه وتعالى - للصحابي الجليل سعد بن معاذ - رضي الله عنه - من وجهين:

أما الوجه الأول: فهو تفطير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو القائل كما في حديث زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من فطر صائمًا، كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا)).

الوجه الثاني: دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن معاذ - رضي الله عنه - بهذا الإفطار؛ حيث قال له: ((أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلَّت عليكم الملائكة)).

اضافة تعليق