لهذا خفف الله الصوم

الأربعاء، 23 مايو 2018 12:09 م
رمضان


كان المسلمون في شهر رمضان، أول فرض الصوم، إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء والطعام والشراب إلى مغرب اليوم التالي، وذلك قبل أن ينزل الله تعالى التخفيف على الأمة

- ثم إن أناسا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب وكعب بن مالك، فشكوا ذلك إلى رسول الله ص، فأنزل الله تعالى: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم

- وروي أن صِرْمَة بن قيس الأنصاري غلبته عينه بعد صلاة المغرب، فنام ولم ينل من الطعام حاجته، ولم يستيقظ حتى صلى رسول الله ص العشاء، فقام فأكل وشرب، فلما أصبح أتى رسول الله ص فأخبره بذلك، فأنزل الله تعالى عند ذلك: وكلوا واشربو حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر

- وروي أن رجلا آخر غلبه النوم ولم يأكل حتى صلى رسول الله ص العشاء فواصل صومه حتى إذا انتصف اليوم التالي خر مغشيا عليه، فنزل التخفيف من الله تعالى

= فأنزل الله تعالى التخفيف على الأمة
قال تعالى:
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) (سورة البقرة)

- وفي هذا المشهد عدة إشارات:

** الأولى: قد يقول قائل: لماذا يشرع الله أولا الصوم شاقا ثم يخفف؟ أليس عليما بعباده سبحانه من البداية؟ فما الحكمة؟

والجواب والله تعالى أعلم: أن الله الذي خلق الإنسان يعلم أن طبيعته تستثقل التكاليف وإن صغرت فبدأ بالأكثر مشقة حتى إذا خفف عنهم قبلت نفوسهم وراضت لأمر الله

- ولعله لو بدأ معهم باليسير استثقلوه ووقعوا في الإثم لأنهم لم يجربوا الأشق
وهذا التقدير يعكس رحمة الله تعالى بعباده

- وهو درس لكل مرب وقائد كيف يروض النفوس الجامحة

- وهو أيضا درس لكل إنسان ألا يَكَلّ من حمل تكاليف الحياة الواجبة استثقالا، فلو اطلع على أحمال غيره هانت عليه أحماله، والعاقل من يوطن نفسه على تحمل مسؤولياته بكل تبعاتها ولا يهرب ضجرا

** الثانية: أن التكليف الأول رغم أنه كان في طاقة جماهير المسلمين حتى مع وقوع بعضهم في المخالفة.. مع ذلك نزل التخفيف إلى الأقل في المشقة ، وفي ذلك درسان:

1- أن التكليف الشرعي مبني على اليسر وإن صحبته بعض المشقة فالغرض منها تربية النفوس وتهذيبها، وصدق الله إذ يقول "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم"
فالتدين ليس قرين التشدد والمغالاة كما يتصور البعض

2- أن التكليف الشرعي يبقى في طاقة الإنسان المتوسط، ولا يذهب بالإنسان إلى ما لا يطيقه كما يتصور البعض، وصدق الله إذ يقول "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" فما دام كلف فهو في الوسع

- فإن شق الأمر على شخص معين لظرف طارئ عنده فقد شرع الله تعالى الرخص، والقاعدة الشرعية أن "الحرج يوجب التخفيف"

** الثالثة: أن جيل الصحابة كانوا بشرا عاديين، فهم شريحة أو قطاع عرضي من المجتمع البشري، فيهم الضعيف والمريض والأعمى والأعرج والغني والفقير، منهم من يخطئ ومن يصيب

لكنهم تميزوا بعمق وصدق الإيمان، وقوة العزم في مجاهدة النفس

= وذلك يبطل حجة من يحتج بأنه لا يطيق ما أطاق الصحابة من التدين، وكيف له أن يكون مثلهم وهو إنسان عادي ليس صحابيا

= إذن فكل ما استقر من التشريع في زمانهم هو حجة على كل الأجيال اللاحقة، مع مراعاة الفروق في طبيعة الحياة والتطور التكنولوجي.

اضافة تعليق