أهمية أن تشهد رمضان أعواما وأعواما

الأربعاء، 23 مايو 2018 12:06 م
خواطر-رمضانية


ربما يرى البعض أنه إذا شهد رمضانا واحدا وصام وقام وصلى وقرأ القرآن، يكفيه أن يدخل خير جنات الله عز وجل، فماذا لو كانت هناك رمضانيات كثيرة يعيشها الفرد؟.

اقرأ هذه القصة لتعلم مدى أهمية أن تشهد أكثر من رمضان وبالطبع تصوم وتصلي وتقوم وتقرأ القرآن.. فها هما صديقين حميمين.. بل أكثر من ذلك... ربما.. إنهما أخوان لم تلدهما أما واحدة.. عاشا حياتهما مترابطين ثم جمعت بينهما رابطة جديدة أوثق من تلك التي كانت بينهما من قبل.. رابطة الأخوة الإيمانية.. لقد أسلما سويا وخالطت بشاشة الإيمان قلبيهما فى اليوم نفسه.. جاهدا معاً وشهدا المشاهد بجوار قائدهما ومعلمهما رسول الله صلى الله عليه سلم.. ثم حانت لحظة الفراق.. سقط الأول مضرجا في دمائه الزكية بميدان من ميادين الشرف والبطولة ونال ذلك الفضل الذي طالما طلبه في مظانه وسعى ليصيبه طوال حياته حتى أُكرم بتلك الشهادة والله حسيبه. مكث صاحبه بعده عاما مضى فيه على عهده فما قصر -قدر وسعه- عن طاعة وما كسل عن قربى وما انقطع عن مكرمة طالما سبقه إليها أخوه الشهيد بإذن الله. حتى حانت لحظة اللحاق.. لكنها كانت هذه المرة في مكان أقل صخبا وأكثر هدوءاً.. مات الصاحب على فراشه بين أهله وأحبابه ليلحق بمن سبق وليلاقي ما قدم لحياته.. لا شك أن ميتة الأول كانت أعظم شرفا وأعلى قدرا عند الناس بل بعموم وظاهر النصوص الشرعية هي الأعلى قدرا عند الله.

وهل من ميتة أعظم من ميتة شهيد قاتل في سبيل الله حتى قُتل مرتقيا ذروة سنام هذا الدين أو رجل قام إلى إمام جائر فأمره و نهاه فقتله؟! الأصل أن الإجابة: لا. لا نعلم ميتة أشرف ولا أعظم من تلك الميتة أو ما يوازيها من ميتات سادة الشهداء الصادعين بالحق عند جائر السلاطين في كل زمان ومكان.

لكن الأمر ها هنا كان مختلفا والمشهد كان يحوي معيارا مغايرا. لقد أدرك الثاني رمضان، لقد زكى وصلى وصام، ولقد سبق الأول!! نعم الذي مات على فراشه سبق أخاه الذي مات تحت ظل السيوف والرماح.

ليس الاستثناء هنا رأيا أو اجتهادا بل هو بشهادة من لا ينطق عن الهوى.. لقد شهد له الحبيب صلى الله عليه وسلم أنه رغم موته على فراشه إلا أنه سبق صاحبه الشهيد. وليس سبقا عاديا.. بل ما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم.. لقد رأى سيدنا طلحة رضي الله عنه مناما فيه أن الذي مات على فراشه سبق أخاه المجاهد إلى روضات الجنان.

ولقد تعجب طلحة وتعجب الناس لما في ذلك من مغايرة للأصل الذي يعرفونه فهرعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه ويستفسرون منه عن حقيقة تلك الرؤيا. فجاء التفسير من البشير النذير: «من أَيِّ ذلكَ تَعْجَبُونَ؟!»، «أَليسَ قد مَكَثَ هذا بعدَهُ سَنَةً؟».، - "بلى فعل يا رسول الله".. - «وأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصامَ وصلَّى كذا وكذا من سَجْدَةٍ في السَّنَةِ»، - "بلى"، - «فما بينَهُما أَبْعَدُ مِمَّا بين السَّماءِ والأرضِ».

هكذا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعيار المختلف الذي غاب عن البعض.. معيار يجعل الأمر ممكنا والسبق متاحا لمن تقبل الله منه يسير الأعمال.. ولمن أدرك رمضان.. إن هذا الحديث وغيره من أحاديث رمضان نقاط فاصلة ينبغي أن تُغَيّر مفهوم الناس لرمضان والاجتهاد والطاعة فيه.. ينبغي أن تفتح بابا عظيما للأمل في السبق والتغيير.. تغيير كل شىء في حياتك الدنيا وفي آخرتك بإذن الله.. عام واحد ورمضان واحد غير حياة إنسان كان أقل اجتهادا من أخيه كما بنص الحديث المذكور إلا أنه شكل انطلاقة عظيمة في حياته أهلته لأن يسابق الشهيد.. بل ويسبقه!!

الأمر طبعا ليس تقليلا من شأن الشهيد ولا الشهادة فالأصل أن الذي مات على فراشه كان كسائر الصحابة يطلبها في مظانها ويتواجد في ميادينها. لكنه باب أمل لمن لم يدرك تلك المنزلة ولم يُصطفى ليكون من أهل الشهادة.

والمسألة بالطبع ليست مطلقة مطردة فكم من أناس أدركوا رمضان ليس مرة لكن عشرات المرات في أعمارهم ولم يذكر لهم مثل ذلك الفضل.. فالعبرة للمسابقة ليست مجرد الإدراك الزماني ولكن الإدراك الحقيقي الذي يغير المرء للأفضل.

إن رمضان عبارة عن انطلاقة تغييرية وفرصة ذهبية لكل من ابتغى خيري الدنيا والآخرة لذا يُنَادَى هذا المريد للخير في أول أيام رمضان محفزا ويقال له: «يا باغيَ الخيرِ أقبِلْ» . أقبل فهذه فرصتك وتِيك غنيمتك والسوق قد نُصبت والعدو قد صُفّد والمضمار قد هُيىء والسباق قد انطلق.. أقبل فكل الظروف قد باتت مواتية لتتغير وتغير.. الناس من حولك في طاعة والشهوات قد تقلصت بصيام نهار والطاعات قد يسرت بقيام ليل ولم يتبق إلا أن تُقبِل.. لديك الفرصة أن تسابق الشهيد وأن تُدرك ما فاتك من جديد وأن تبيض صحائفك وتطهرها من ذنوب قد تكاثرت عليك وطاعات فيها قد قصرت.

اضافة تعليق