التفكير الهادف.. هكذا نتدبر ثم نحسن التصرف

الثلاثاء، 22 مايو 2018 11:16 ص
التفكير الهادف

 
من أبرز ما يميز رمضان أنه يبدل طريقة تفكيرنا في الحياة، فمن الاهتمام الزائد بمشاغل الحياة إلى التروي ومحاسبة النفس، والوقوف إلى كل ما يفيد في الدنيا والآخرة، وليس في الدنيا فقط، وربما يمر العام لا نتوقف كثيرا أمام مثل هذه السلوكيات.. لذا علينا أن نتعلم أهمية التفكير الهادف.
 
فالتفكير أحد المميِّزات لبني البشر، ومن العسير أن نجد أحدًا ممن يتمتَّعون بالصحة العقلية، لا يمارس التفكير في شؤونه وشؤون ما حولهفالتفكير أحد المميِّزات لبني البشر، ومن العسير أن نجد أحدًا ممن يتمتَّعون بالصحة العقلية، لا يمارس التفكير في شؤونه وشؤون ما حوله؛ وأحيانًا نقوم بعمل ما دون تفكير سابق، فضلا عن أننا نُمارس التفكير بطريق غير منهجي؛ مما يؤدي بنا إلى نتيجة غير مرغوب فيها.
 
ونجد كثيرًا من الآيات الكريمة من القرآن تحثُّنا على التفكير والتأمُّل والملاحظة والتحليل، ولو نُدقِّق في هذه الآيات، نجد أنها جاءت على طبقات تتناسب مع عصر المخاطبين ومستوياتهم العقلية، ومن الآيات التي تدل على ذلك:
 
قوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾ [الغاشية: 17 - 20]، وقوله تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾ [عبس: 24 - 32]، وقوله تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾ [الملك: 3، 4].
 
ونظرًا لأهمية التفكير في حياة الناس، فإن الكتاب العزيز جاء حافلًا بالآيات التي تحثُّ المسلمين على تقليب النظر في ملكوت السموات والأرض؛ ليستدلوا بذلك على وجود الخالق المبدع، كما حثَّهم على النظر في أحوال البشر وبدايات خلق الأشياء، وتحريك عقولهم بقياس أحوالهم على أحوال مَنْ سَبَقَهم من الأُمَم؛ حتى لا يُعرِّضوا أنفسهم لمثل ما تعرَّضوا له من عقاب وتدميرٍ، وأمرَهم باكتشاف السُّنَن العليا التي تحكُم حركة الإنسان والكون؛ حتى يختصروا الجهد والوقت، ويُجنِّبوا أنفسهم التصادُمَ معها، وعند قراءة القرآن الكريم نجد عشرات الآيات تحثنا على التفكُّر والتأمُّل؛ يقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السموات وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190].
 
والتفكير هو علامة الوجود والبقاء، وخاصية التفكير هي التي تُميِّز بين البشر في المستويات العلياوالتفكير هو علامة الوجود والبقاء، وخاصية التفكير هي التي تُميِّز بين البشر في المستويات العليا، وحين تُحْرَم أُمَّة أو مجتمع أو جماعة أو فرد من هذه النِّعْمة، فإن الحياة تُصاب بالقَحْط والجدب، وتصبح الأعداد البشرية الهائلة أكداسًا من اللحم والعظم، وكل مشكلة تصيب المجتمع تصبح إحدى لوازمه الثابتة فيه، وتظل تتضاعف حتى إذا شعَر الناس بضرورة الخروج من النفق المظلم، وجدوا أن ذلك لن يحدث إلا بعد تكاليف باهظة مع تضاؤل إمكاناته.
 
وقد بثَّ الله تعالى في الكون سُنَنًا تتَّصف بالاطِّراد والشمول والثبات، وهذه السُّنَن مبثوثةٌ في الكون والأنفس والمجتمعات، ومن هذه السنن في المجتمعات أن التحوُّل في أكثر الظواهر الاجتماعية يتمُّ ببطءٍ، وعمر الإنسان إذ ما قيس بعمر الحضارات فهو قصيرٌ جدًّا؛ مما يجعل الإنسان يُبصِر مقدمات الحَدَث دون أن يراه، أو يُبصِر نتائجه دون أن يرى مُقدِّماته، وحينئذٍ فإن من السهولة بمكانٍ أن يُصاب المرء باضطراب الرؤية وضلال الأحكام؛ ولذا جاء الأمر الإلهي بالضرب في الأرض: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [آل عمران: 137]؛ إن الهدف من السير في الأرض هو اكتشاف السُّنَن ما دام الواقع المعيش لا يُتيح للمرء أن يرى الصورة كاملةً بكُلِّ أبعادها، والسير في الأرض ليس سيرًا في المكان فقط، ولكنه أيضًا سيرٌ في الزمان؛ حتى نرى قصة البشرية كاملةً في رُشْدها وغيِّها والعواقب التي آلَتْ إليها.
 
إن السنن توطِّد العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل، وحين نكتشف سُنَنًا في مجالٍ ما، فإن ذلك يعني سهولة فهم الماضي والحاضر، كما يعني استشرافًا حسنًا للمستقبل وحين نكتشف سُنَنًا في مجالٍ ما، فإن ذلك يعني سهولة فهم الماضي والحاضر، كما يعني استشرافًا حسنًا للمستقبل؛ مما يجعل المسلم يخرج من عالم التوقُّعات والتخمينات إلى عالم العلم الراسخ الذي يُعتمَد عليه في البناء والعمل، وحين نتجاهل وجود السُّنَن التي تحكمنا، وتحكم الوجود من حولنا، فإن أخطارًا كبيرةً سوف تُحيط بنا، فحين لا ندرك مثلًا أن السُّنَّة في التحوُّل الاجتماعي هي التدرُّج وليست الطَّفْرة؛ فإننا سوف نعتمد أساليبَ ووسائل تُخالف الِفطْرة وسُنَّة التدرُّج، وسوف يؤدي ذلك إلى الاصطدام بالسُّنَّة، وسنحصد عاقبة ذلك.
 
لكن مع ذلك فأن المبادئ والقِيَم لا تتبدَّل، ولكن تجسيد تلك المبادئ والقِيَم من زمانٍ إلى زمانٍ قد يتغيَّر، نضرب على ذلك مثالًا في تحديد المراد من بعض آيات القرآن الكريم؛ يقول الله عز وجل: ﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ [الماعون: 7]، وفي آية أخرى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النور: 19]، لو ندقِّق في تحديد المراد من كلمتي "الماعون" و"الفاحشة"، نجد أن المراد بهما قد يختلف باختلاف الأزمنة والأعراف؛ فالماعون الذي كان رائجًا في زمان قبل مائة سنة، لم يبق رائجًا في الزمان الحاضر، وكذلك ما نعتبره اليوم ماعونًا قد لا يعتبره الناس ماعونًا بعد 50 سنة على سبيل المثال، وكذلك يختلف المراد بالفاحشة في الآية الثانية من زمان إلى زمان؛ فالفاحشة التي كان الكفَّار يُشيعونها في مجتمعات الأمة الإسلامية قبل مائة سنة، من الممكن أن تكون غير موجودة أو رائجة في الزمان الحالي، وما يُشاع اليوم من الفواحش من الممكن أن يختفي بعد فترة من الزمان، ولكن الكلمة الأساسية وهي الماعون والفاحشة، لا تزال تُطلَق، ولكنَّ الكلمتين الأساسيتين - وهما: الماعون والفاحشة - ما تزالان تُطلَقان على ذلك المراد، كذلك في المبادئ والقيم؛ حيث إنها لا تتغيَّر، ولكن تجسيدها وصور تطبيقها قد يختلف في زمان وفي بيئة، قد يختلفان في زمان آخر وبيئة أخرى.

اضافة تعليق