كيف ننهل من معين رمضان؟

الثلاثاء، 22 مايو 2018 11:12 ص
كيف ننهل من معين رمضان

 
أفضال رمضان لا تحصى وإن جلس جمع من الناس يتدارسون هذه الأفضال ويعدونها عدًا، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: "أتاكم رمضانُ شهرٌ مباركٌ فرضَ اللهُ عليكم صيامًه، تُفتحُ فيه أبوابُ السماء، وتُغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغَّلُ فيه مردةُ الشياطين، للهِ فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرِ من حُرم خَيرها فقد حُرِم.." أخرجه النسائي وصححه الألباني.
 
وها نحن نبصر ونعيش مع رمضان من جديد.. فما أجمل استقباله بصفاء النفوس والمحافظة عَلَى الفرائض، وإتباعها بِالنَّوَافِل، وملازمة المساجد، والمداومة على قراءة القرآن، وإطعام الطَّعَامَ، وَسقيا العَطْشَان، وَبذل الإِحْسَان و البِرِّ، وَاحْتَسِاب الأَجْر . ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.. فهلا تنافسنا للفوز بمعين رمضان؟.
 
ومن أهم معين رمضان وأجلّ معانيه وأنفعها وأعظمها تحقيق التقوى، كما بين سبحانه وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183]، هذا تعليل لكتابة الصيام ببيان فائدته الكبرى وحكمته العليا، وهو أنه يعد نفس الصائم لتقوى الله تعالى بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة امتثالا لأمره واحتسابا للأجر عنده، فتتربى بذلك إرادته على ملكة ترك الشهوات المحرمة والصبر عنها فيكون اجتنابها أيسر عليه، وتقوى على النهوض بالطاعات والمصالح والاصطبار عليها فيكون الثبات عليها أهون عليه.
 
يقول العلماء عن سبب خِتام آية الصيام بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: بيانٌ لحكمة الصيام وما لأجله شرع، فهو في قوَّة المفعول لأجلهيقول العلماء عن سبب خِتام آية الصيام بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: بيانٌ لحكمة الصيام وما لأجله شرع، فهو في قوَّة المفعول لأجله، والتقوى الشرعيَّة هي اتِّقاء المعاصي، وإنما كان الصيام مُوجِبًا لاتِّقاء المعاصي، لأنَّه يعدل القوى الطبيعيَّة التي هي داعية تلك المعاصي، ليَرتَقِي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادَّة إلى أوْج العالم الرُّوحاني، فهو وسيلةٌ للارتِياض بالصفات الملكيَّة، والانتِفاض من غبار الكدرات الحيوانيَّة.
 
وقد قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: " الصيام جُنَّة ". أي : وقاية تُتَّقى به الآفات والمخاطر.. فهل من استهان بالمحرمات كالغيبة والنميمة حققّ التقوى ونهل من معين رمضان ..؟! كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم : كما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ) رواه البخاري.. وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: ( رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ ) رواه أحمد.
 
قال جابر بن عبد الله الأنصاري : إذا صمتَ فليصم سمعُك وبصرُك ولسانُك عن الكذب، والمأثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقارٌ وسكينةٌ يومَ صومك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء.
 
وعن حفصة بنت سيرين – وكانت عالمة من التابعين - قالت: الصيام جُنَّة، ما لم يخرقها صاحبها، وخرقها الغيبة .وعن ميمون بن مهران: إن أهون الصوم ترك الطعام والشراب.. وهل حققّ التقوى ونَهل من مَعينِ رمضانَ من تساهل في النظرِ إلى المحرمات؟
 
وللأسف.. مَعْصِيَةُ النَّظَرِ إِلَى المُحَرَّمَاتِ تُحِيطُ بِنَا مِنْ كُلِّ جَانِب، وقد أمرنا اللهَ تَعَالَى بِغَضِّ الأَبْصَارِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ . ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ وقد أمرنا اللهَ تَعَالَى بِغَضِّ الأَبْصَارِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ . ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾، وَفِي رَمَضَانَ يَنْشَطُ أَهْلُ الشَّرِّ وَالحَرَامِ لِيُوقِعُوا النَّاسَ فِي مَعَاصِي النَّظَرِ، لِيَصِلَ أَثَرُهَا لِلْقُلُوبِ فَتَقْسُو، فَيَتَثَاقَلُ أَصْحَابُهَا عَنِ الطَّاعَات.
 
ومن معين رمضان: تربيةُ النفس على الإيمان والاحتساب والإخلاص: إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : "من صام رمضان إيمانا ً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه". قال الإمام النووي رحمه الله : معنى إيماناً: تصديقاً بأنه حق مقتصد فضيلته، ومعنى احتساباً، أنه يريد الله تعالى لا يقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص.
 
ومن معين رمضان: الارتباطُ بالله وكثرةُ الذكرِ والدعاءِ وقراءةِ القران .. ولا أدَلَّ من ذلك أن اللهَ تعالى ذكر في آياتِ الصيام قوله : ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ فالجُملة معطوفةٌ على الجملِ السابقة المتعاطفةِ أي { لتكملوا العدة ولتكبروا . . . ولعلكم تشكرون ، ثم التَفَت إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم وحدَه لأنه في مقام تبليغ فقال : ﴿وإذا سألك عبادي عني﴾ ، أي العبادُ الذين كان الحديثُ معهم ، ومقتضى الظاهر أن يقال ولعلكم تشكرون وتدعون فأستجيب لكم إلاّ أنه عدل عنه ليحصل في خلال ذلك تعظيمُ شأن النبي بأنه يسأله المسلمون عن أمر الله تعالى ، والإشارةُ إلى جواب من عسى أن يكونوا سألوا النبي عن كيفية الدعاء هل يكون جهراً أو سراً ؟
 
وليكون نظم الآية مؤذناً بأن الله تعالى بعدَ أن أمرَهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال : وإذا سألوا عن حقهم عليَّ فإني قريب منهم أجيب دعوتهم.
 
وأمّا القرآن في رمضان فذاك شأنٌ لعباد اختارهم الله تعالى ليرفعهم بهذا القرآن العظيموأمّا القرآن في رمضان فذاك شأنٌ لعباد اختارهم الله تعالى ليرفعهم بهذا القرآن العظيم .. بعض الصالحين رحمهم الله يختمُ كل ثلاث في رمضان، وبعضهم كل يومين، بل نُقل عن الشافعي رحمه الله ستون ختمة في رمضان واحدة في الليل وواحدة في النهار ، وقيل كان الإمام ابن عساكر يحاول اللحاق بالشافعي رحمهما الله فاعتكف بالمنارة البيضاء فلم يستطع أن يختم إلا تسعاً وخمسين ختمة!!
 
‏القرآن يسير على من يسرّه الله عليه، أما ورود النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث (ليال) المقصود به المداومة على ذلك، فأما في الأوقات والأزمان الفاضلة فيستحب الإكثار وهذا قول أحمد وإسحاق.

اضافة تعليق