أعمل في مكان مختلط بالرجال فهل علي إثم؟

الإثنين، 21 مايو 2018 04:21 م
ضوابط العمل المختلط


تجيب أمانة الفتوى بدار الإفتاء المصرية أن الذي عليه عمل المسلمين سلفًا وخلفًا أن مجرد وجود النساء مع الرجال في مكان واحد ليس حرامًا في ذاته، وأن الحرمة إنما هي في الهيئة الاجتماعية إذا كانت مخالفةً للشرع الشريف؛ كأن يُظهِر النساء ما لا يحل لهن إظهاره شرعًا، أو يكون الاجتماع على منكر أو لمنكر، أو يكون فيه خلوة محرمة.
ونص أهل العلم على أن الاختلاط المحرم في ذاته إنما هو التلاصق والتلامس لا مجرد اجتماع الرجال مع النساء في مكان واحد.
وعلى ذلك دلَّت السنة النبوية الشريفة؛ ففي "الصحيحين" عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: "لما عرس أبو أسيد الساعدي رضي الله عنه دعا النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابَه، فما صنع لهم طعامًا ولا قرَّبه إليهم إلا امرأتُه أم أسيد"، وترجم له البخاري بقوله: (باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس).
قال القرطبي في "التفسير" (9/ 68، ط. دار الكتب المصرية): [قال علماؤنا: فيه جواز خدمة العروس زوجها وأصحابه في عرسها] اهـ.
وقال ابن بطال في "شرحه على البخاري" (6/ 53، ط. مكتبة الرشد): [وفيه أن الحجاب -أي انفصال النساء عن الرجال في المكان والتعامل المباشر- ليس بفرض على نساء المؤمنين، وإنما هو خاص لأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كذلك ذكره الله في كتابه بقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾] اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": [وفي الحديث جواز خدمة المرأة زوجها ومن يدعوه، ولا يخفى أن محلَّ ذلك عند أمن الفتنة ومراعاة ما يجب عليها من الستر، وجواز استخدام الرجل امرأته في مثل ذلك] اهـ.
وفي "الصحيحين" أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه في إطعامه الضيف: "أنهما جعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين".
وفي رواية ابن أبي الدنيا في "قِرَى الضيف" من حديث أنس رضي الله عنه: "أن الرجل قال لزوجته: أثردي هذا القرص وآدميه بسمن ثم قربيه، وأمري الخادم يطفئ السراج، وجعلت تتلمظ هي وهو حتى رأى الضيف أنهما يأكلان"، وظاهره أنهم اجتمعوا على طبق واحد، وقد قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة»، ونزل فيهما قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
وفي "صحيح البخاري" عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: "آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمانُ أبا الدرداء، فرأى أمَّ الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا..." إلى آخر الحديث. قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (4/ 211، ط. دار المعرفة): [وفي هذا الحديث من الفوائد... جواز مخاطبة الأجنبية والسؤال عما يترتب عليه المصلحة] اهـ.
وأما عن الأعمال التي قد تقتضي طبيعتها وجود الرجل مع المرأة في مكان واحد فإنه لا مانع منها إذا أمنت الريبة وانتفت الخلوة، فمجرد وجود الرجال مع النساء في مكان واحد ليس حرامًا في نفسه، بل المحرم هو أن ينفرد الرجل مع المرأة في مكان بحيث لا يمكن الدخول عليهما.
قال الإمام ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام" (2/ 181، ط. مكتبة السنة) في شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إياكم والدخول على النساء»: "مخصوص بغير المحارم، وعام بالنسبة إلى غيرهن، ولا بد من اعتبار أمر آخر، وهو أن يكون الدخول مقتضيًا للخلوة، أما إذا لم يقتضِ ذلك فلا يمتنع" اهـ.
ثم إنه ليس كل انفراد واختلاء يُعَدُّ خلوة محرمة؛ فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخلا بها، فقال: والله إنكن لأحب الناس إلي"، وفي بعض الروايات: "فخلا بها في بعض الطرق أو في بعض السكك". وبوَّب الإمام البخاري على ذلك بقوله: "باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس".
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (9/ 333، ط. دار المعرفة): [وفيه أن مفاوضة المرأة الأجنبية سرًّا لا يقدح في الدين عند أَمِن الفتنة"، وقال الملَّا علي القاري في "مرقاة المفاتيح": "وفيه تنبيه على أن الخلوة مع المرأة في زقاق ليس من باب الخلوة معها في بيت] اهـ.
وضابط الخلوة المحرمة كما قال الشيخ الشبرامَلسي الشافعي في "حاشيته على نهاية المحتاج" (7/ 163، ط. دار الفكر): [اجتماع لا تؤمن معه الريبة عادة، بخلاف ما لو قطع بانتفائها عادة فلا يعد خلوة] اهـ، ومجرد إغلاق الباب إغلاقًا من شأنه أن يسمح لأي أحد بفتحه والدخول في أي وقت لا يجعله من باب الخلوة المحرمة] اهـ.
وبناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فلا مانع لك من الاستمرار في عملك هذا، ومالك منه حلال شرعًا.

اضافة تعليق