إعادة فتح أنطاكية.. أعظم انتصار بعد استرداد القدس

الإثنين، 21 مايو 2018 03:29 م
إعادة فتح أنطاكية

مثلت موقعة اليرموك بين المسلمين والروم في بلاد الشام نقطة تحول في الفتوحات الإسلامية، بعد أن ظهرت قوة المسلمين وقدرتهم الهائلة على تحطيم أعتى الجيوش، وكانت هي النقطة التي عبر منها المسلمون للسيطرة على باقي بلاد الشام، باستثناء أنطاكية التي كانت تمثل للروم كرسي الملك وذات وضع متميز عندهم حيث كانت تتمتع بالقدسية لديهم.

أمر عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين، أبا عبيدة بن الجراح، الذي كان أميرًا على الشام بالتوجه لفتح حمص، بعد أن أصبحت مأوى للمنهزمين الرومان وكثرت الأعداد بها، فنزل فيها المسلمون فحاصروها، وكان أمير الروم عليها يقال له "يوقنا"، شديد التجبر والطغيان، فرفض الصلح وأصر على القتال، كان شتاء والبرد شديد، وكبر الصحابة تكبيرة عظيمة، فاجتمع كبار أهل حمص وقرروا الصلح مع المسلمين.
نصب الرومان كمينًا لفرقة مسلمة قوامها مائتا مقاتل، هجم عليهم عشرة آلاف من العرب المتنصرة، وأسروا عددًا منهم وحملوهم إلى أنطاكية، عندها قرر أبو عبيدة وخالد بن الوليد التوجه لأنطاكية لحصارها وإنقاذ الأسرى.

وخرج هرقل حاجًا إلى بيت المقدس ومنه إلى بلاد الروم واصطحب أمواله وذخائره وأهل بيته، فاضطرب أمر الرومان داخل أنطاكية، وشدد أبو عبيدة وخالد الحصار عليها، واستطاع المسلمون دخول المدينة في سنة 15هـ.

وسقطت المدينة في أيدي الدولة البيزنطية في (358هـ الموافق الأول من نوفمبر سنة 969م)، في عهد الإمبراطور نقفور فوقاس، وأحدث سقوطها دويًّا كبيرًا في العالمين الإسلامي والمسيحي، فهي وقت سقوطها كان قد مر عليها أكثر من ثلاثة قرون بأيدي المسلمين، وهي في الوقت نفسه المدينة الدينية المعظَّمة عند عموم العالم المسيحي بشقيه الأرثوذكسي والكاثوليكي.

وأصبحت إحدى الإمارات الصليبية الأربع لفترة 170 عامًا، إلى أن تولى الظاهر بيبرس السلطنة، وأخذ على عاتقه تطهير بلاد الشام من الإفرنج، فخرج عدة مرات بجيوشه لقتالهم، ابتداء من سنة 663 هـ حيث فتح قيسارية ومدينة صغد التي سبق للملك صلاح الدين الأيوبي أن افتتحها سنة 584 هـ، ثم استعادها الإفرنج مرة ثانية فاستعادها منهم ثم خرج بعد ذلك واستولى على بلاد السوس وغيرها من البلاد الإسلامية التي تحت يد الإفرنج.

 فلما كانت سنة 666 هـ خرج السلطان ببيرس في أول جمادى الآخرة من الديار المصرية، وتطلع إلى إعادة فتح أنطاكية التي تحتل مكانة خاصة لدى الصليبيين، واستعد لهذه الموقعة الحاسمة.

ومهد لسقوط الإمارة حتى جعل من أنطاكية مدينة معزولة، محرومة من كل مساعدة، فخرج من مصر فنزل على "يافا" فأخذها عنوة، وسار إلى حصن الشقيف فاستولى عليه، وهاجم طرابلس، ثم جمع جيوشه وسار حتى نزل أنطاكية وأحاط بها من كل جانب، وذلك في مستهل شهر رمضان المبارك.

وبدأ في حصارها فنزل إليه أهلها يطلبون الأمان واشترطوا شروطًا له عليهم، فرفض الملك الظاهر بيبرس عرضهم، وصمم على فتح المدينة، فحاصرها وضيق عليهم، وظل كذلك حتى الرابع عشر من شهر رمضان، حيث أنزل الله نصره على المسلمين، بعد أن تمكن المسلمون من تسلق الأسوار في (الرابع من رمضان)، وتدفقت قوات بيبرس إلى المدينة دون مقاومة، وفرت حاميتها إلى القلعة، وطلبوا من السلطان الأمان، فأجابهم إلى ذلك، وتسلم المسلمون القلعة في (5 من رمضان 666هـ الموافق 18 مايو 1268م) وأسروا من فيها.

وقد غنم المسلمون غنائم كثيرة، بلغ من كثرتها أن قسمت النقود بالطاسات، ووجدوا فيها من أسارى المسلمين خلقًا كثيرًا، وعادت المدينة إلى المسلمين وتبع ذلك استلام حصون كثيرة وقرى كانت خاضعة لهم.

كان سقوط أنطاكية أعظم فتح حققه المسلمون على الصليبيين بعد استرداد صلاح الدين الأيوبي لبيت المقدس.

ومن طرائف الفتح أن بوهيمند السادس أمير إنطاكية لم يعلم ما حدث لها؛ إذ كان في إمارته الثانية طرابلس جنوبي إنطاكية، فتكفل بيبرس بإخباره بهذه الكارثة في رسالة ساخرة بعثها إليه من إنشاء الكاتب البليغ "ابن عبد الظاهر"، ومما جاء فيها:

".. وكتابنا هذا يتضمن البشر لك بما وهبك الله من السلامة وطول العمر بكونك لم تكن لك في هذه المدة بإنطاكية إقامة، فلو كنت بها كنت إما قتيلاً وإما أسيرًا، وإما جريحًا وإما كسيرًا...".

وبينما كان بيبرس في إنطاكية وصل إليه رسل الملك هيثوم الأرميني يعرضون عليه اتفاقًا بمقتضاه يعيدون ما أخذوه من المدن الإسلامية في أثناء الغزو المغولي للشام، مثل بهنسا، ومرزبان، ورعبان، كما ترك الداوية من الصليبيين "حصن بغراس"، وبذلك عاد شمال الشام إلى حوزة المسلمين.

وبهذا النصر الذي فتح الباب لسقوط الإمارات الصليبية الباقية تبوأ بيبرس مكانته التاريخية، باعتباره واحدًا من أبطال الإسلام.

اضافة تعليق