رجال عفا عنهم النبي.. هكذا كانت النتيجة؟

الإثنين، 21 مايو 2018 12:36 م
رجال عفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم


لم يكن هناك من هو أكثر تسامحًا من النبي صلى الله عليه وسلم، وما فعله عند فتح مكة هو خير شاهد، إذ قال لمن آذوه وحاربوه: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" فكان صلى الله عليه وسلم أجمل الناس صفحًا، يتلقى من قومه الأذى المؤلم فيعرض عن تلويمهم، أو تعنيفهم، أو مقابلتهم بمثل عملهم، ثم يعود إلى دعوتهم ونصحهم كأنما لم يلقَ منهم شيئًا.

وفي تأديب الله لرسوله بهذا الأدب أنزل الله عليه في المرحلة المكية قوله: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [الحجر:85-86] ثم أنزل عليه قوله: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الزخرف:89] فكان يقابل أذى أهل الشرك بالصفح الجميل، وهو الصفح الذي لا يكون مقرونًا بغضب أو كبر أو تذمر من المواقف المؤلمة، وكان كما أدَّبه الله تعالى. ثم كان يقابل أذاهم بالصفح الجميل، ويعرض قائلًا: سلام.

وفي العهد المدني لقي الرسول صلى الله عليه وسلم من يهود المدينة أنواعًا من الخيانة فأنزل الله عليه قوله: وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: 13]، فصبر الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم وعفا وصفح، حتى جاء الإذن الرباني بإجلائهم، ومعاقبة ناقضي العهد منهم)  .

 - غلظة الأعرابي وتسامح الرسول:

عن أنس بن مالك قال: (كنت أمشي مع رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وعليه برد نجراني (عباءة) غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه جبذة ـ [أي جذبه جذبة قوية] حتى رأيت صفح عنق رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قد أثَّرت بها حاشية البرد من شدة جذبته (تركت الجذبة علامة على عنق الرسول)، فقال: يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء.

- تسامحه مع جاره اليهودي:

كان رسول الله "صلى الله عليه وسلم" يجاوره جار يهودي، وكان اليهودي يحاول أن يؤذي الرسول "صلى الله عليه وسلم"، ولكن لا يستطيع خوفًا من بطش أصحاب النبي "صلى الله عليه وسلم"، فما كان أمامه إلا الليل والناس جميعاً نيام؛ حيث كان يأخذ الشوك والقاذورات ويرمي بها عند بيت النبي "صلى الله عليه وسلم"، ولما يستيقظ رسولنا الكريم فيجد هذه القاذورات كان يضحك "صلى الله عليه وسلم"، ويعرف أن الفاعل جاره اليهودي، فكان نبينا الكريم "صلى الله عليه وسلم" يزيح القاذورات عن منزله ويعامله برحمة ورفق، ولا يقابل إساءته بالإساءة، ولم يتوقَّف اليهودي عن عادته حتى جاءته حمى خبيثة، فظلَّ ملازمًا الفراش يعتصر ألمًا من الحمى حتى كادت توشك بخلاصه.

 وبينما كان اليهودي بداره سمع صوت الرسول "صلى الله عليه وسلم" يضرب الباب يستأذن في الدخول، فأذِن له اليهودي فدخل صلوات الله عليه وسلم على جاره اليهودي وتمنّى له الشفاء، فسأل اليهودي الرسول "صلى الله عليه وسلم" وما أدراك يا محمد أني مريض؟؟ فضحك الرسول "صلى الله عليه وسلم" وقال له: عادتك التي انقطعت (يقصد نبينا الكريم القاذورات التي يرميها اليهودي أمام بابه)، فبكى اليهودي بكاءً حارًا من طيب أخلاق الرسول الكريم "صلى الله عليه وسلم" وتسامحه، فنطق الشهادتين ودخل في دين الإسلام.

- وعن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- ((أنَّه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَل نجد، فتفرق الناس يستظلون بالشجر ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة، وعلَّق بها سيفه ونام، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، وإذا عنده أعرابي.فقال: إن هذا اخترط عليَّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتًا، فقال: من يمنعك مني؟. فقلت: الله. ثلاثًا، ولم يعاقبه وجلس))  .

- موقفه صلى الله عليه وسلم مع أهل ثقيف:

وعن عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد فقال: ((لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يَالِيلَ بن عبد كُلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إنَّ الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال؛ لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمد، إنَّ الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا)) .

- موقفه صلى الله عليه وسلم مع أهل مكة:

((لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دخل البيت، فصلى بين الساريتين، ثم وضع يديه على الباب، فقال: لا إله إلا الله وحده ماذا تقولون، وماذا تظنون؟ قالوا: نقول خيرًا، ونظن خيرًا: أخ كريم، وابن أخ، وقد قدرت، قال: فإني أقول لكم كما قال أخي يوسف صلى الله عليه وسلم: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين [يوسف:92]))  .

- موقفه صلى الله عليه وسلم مع عكرمة بن أبي جهل:

عن عروة بن الزبير قال: ((قال عكرمة بن أبي جهل: لما انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا محمد، إنَّ هذه أخبرتني أنَّك أمَّنتني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت آمن. فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنت عبد الله ورسوله، وأنت أبرُّ الناس، وأصدق الناس، وأوفى الناس، قال عكرمة: أقول ذلك وإني لمطأطئ رأسي استحياء منه، ثم قلت: يا رسول الله، استغفر لي كلَّ عداوة عاديتكها، أو موكب أوضعت فيه أريد فيه إظهار الشرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر لعكرمة كلَّ عداوة عادانيها، أو موكب أوضع فيه يريد أن يصدَّ عن سبيلك. قلت: يا رسول الله، مرني بخير ما تعلم فأُعلِّمُه، قال: قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وتجاهد في سبيله، ثم قال عكرمة: أما والله يا رسول الله، لا أدع نفقة كنت أنفقتها في الصدِّ عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قاتلت قتالًا في الصدِّ عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله. ثم اجتهد في القتال حتى قتل يوم أجنادين شهيدًا في خلافة أبي بكر رضي الله عنه))  .

اضافة تعليق