علم لسانك الصوم.. واجعله لا ينطق إلا بالطيب من القول

الأحد، 20 مايو 2018 11:07 ص
الطيب من القول


أبرز ما يميز العبد المسلم في رمضان، هو مسكه لسانه عن إيذاء الناس، فتراه وكأنه يلتمس الكلم الطيب في معاملته بالآخرين.. وقد حثَّ الإسلامُ على مكارم الأخلاق، وفضَّل مَنْ يتَّصف بالأخلاق الحميدة على غيره، وفي مدح الأخلاق الفاضلة للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم؛ يقول الله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، الأمر الذي يُعطي الدلالة القاطعة على أهميَّة البُعْد الأخلاقي في سلوك المسلم في الحياة الإسلاميَّة، بوصفه معيارًا حاسمًا في تقييم الفرد المسلم، وصولًا إلى رضا الله، ورضا الناس عنه.
 
ويأتي في مقدمة صفات الأخلاق الحميدة التي أمَر الإسلام بها، مخاطبةُ الناس بالقول الطيبويأتي في مقدمة صفات الأخلاق الحميدة التي أمَر الإسلام بها، مخاطبةُ الناس بالقول الطيب، والكلام الحسن؛ لِما لذلك من أثرٍ إيجابي في نفسيَّة السامع والمتلقي للكلام، حتى إن الإسلام عد في جوهره ((طِيب الكلام، وإطعام الطَّعام))؛ كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ردِّه على من أتاه من الصحابة متسائلًا: ما الإسلام؟.
 
ومما تقدَّم يتَّضح أن الأصل في مخاطبة الناس ينبغي أن يكون بالقول الحسن؛ سواء تعلَّق الأمر بأمور الدين، أو بأمور الدنيا، وذلك تَمَشِّيًا مع مضمون قاعدة: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة: 83].

هذا التوجيه الرباني العام يشمَل كلَّ البشر؛ مؤمنهم وكافرهم، وبَرَّهم وفاجرهم، حتى إن كان أحدهم مخالفًا للمسلمين في الرأي والسلوك، تناغُمًا مع معايير منهجية الحوار بالتي هي أحسن، على قاعدة: ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [العنكبوت: 46].

إذ بالقول الجميل، والسلوك النبيل، يقتضي الأمر محاورة الآخرين، ومناظرتهمإذ بالقول الجميل، والسلوك النبيل، يقتضي الأمر محاورة الآخرين، ومناظرتهم، وفي أي موضوع يختص بالأمور الدنيوية، وبالمثل أيضًا، يكون السبيل فيما يتعلَّق بدعوتهم إلى الله: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النحل: 125].
 
وإذا كان أسلوب الخطاب المسلم يقوم في الأصل على أساس مخاطبة الناس بأجمل الكلام، وألطف الألفاظ، وأرقى التعابير؛ من حيث إن المسلم في سلوكه ((ليس بطعَّان، ولا لعَّان، ولا فاحِش، ولا بَذِيءٍ))، فلا شكَّ أن الخطاب الحسن يظلَّ سمةً المؤمنين الذين قال تعالى عنهم: ﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ﴾ [الحج: 24]، فالكلام الطيِّب عبادةٌ وهداية في ذات الوقت، باعتبار أن ((الكلمة الطيبة صَدَقةٌ)).
 
ولذلك بات الأمر يتطلَّب الانتباه الجدي إلى ضرورة أن يعتمد المسلم في خطابه المعاصر مع الآخرين المنهجَ الإسلامي، القائمَ على القول الحسن والكلام الطيب، فذلك أبلغُ وأوقعُ في نفوس المخاطبين، وأجْدَرُ أن يُحقِّق الغرض المطلوب من الخطاب على نحو أفضل، وذلك بعكس الخطاب الفَجِّ الذي يُثير حساسية المخاطب، ويستولد الكثيرَ من الكراهية، والمماحكات التي لا طائلَ منها، كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك في مَعرض الإشادة بمنهجية التعامُل النبوية للرسول الكريم مع الآخرين بالقول: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: 159].
 
فمخاطبة الناس بأجمل الكلمات، وألطف العبارات، وأحسن الجُمل، هي سمة المؤمنينفمخاطبة الناس بأجمل الكلمات، وألطف العبارات، وأحسن الجُمل، هي سمة المؤمنين الذين قال تعالى عنهم: ﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ﴾ [الحج: 24]، فهو يصدر من نفس طيبة زكية، قال تعالى: ﴿ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾ [النور: 26]، قال ابن عباس رضي الله عنه: "والطيبات من الكلام للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلام".
 
لذا كان هذا الخلق من أعمال البر التي تدل على كريم الخصال، وسمو الخلق الرفيع، قال صلى الله عليه وسلم: ((البر حسن الخلق))، قال ابن بطال رحمه الله: "طيب الكلام من جليل عمل البر"، وعدَّد الماوردي رحمه الله أنواع البر، وذكر منها القول، ثم قال: "القول هو طيب الكلام، وحسن البِشر والتودد بجميل القول، وهذا يبعث عليه حسن الخلق ورقة الطبع، ويجب أن يكون محدودًا؛ كالسخاء، فإنه من أسرف فيه كان مَلَقًا مذمومًا، وإن توسط واقتصد فيه كان معروفًا وبرًّا محمودًا".
 
وذكر أهل العلم أنه من حسن الخلق طيب الكلام، قال الماوردي رحمه الله: "معنى حسن الخلق أن يكون المسلم سهل العريكة، لين الجانب، طلق الوجه، قليل النفور، طيب الكلمة".
 
قال ابن القيم رحمه الله: "فمروءة اللسان: حلاوته وطيبه ولينه، واجتناء الثمار منه بسهولة ويسر".
 
فمن عوَّد نفسه على القول الطيب، جادت نفسه بكل خير؛ لأنه صدقة منه تزكو بها نفسه وتطهرفمن عوَّد نفسه على القول الطيب، جادت نفسه بكل خير؛ لأنه صدقة منه تزكو بها نفسه وتطهر، قال صلى الله عليه وسلم: ((كل كلمة طيبة صدقة))، قال ابن بطال رحمه الله: "وجه كون الكلمة الطيبة صدقة: أن إعطاء المال يفرح به قلب الذي يُعطاه ويذهب ما في قلبه، كذلك الكلام الطيب، فاشتبها من هذه الحيثية".

اضافة تعليق