الصيام.. من التشديد إلى الرحمة

السبت، 19 مايو 2018 11:08 ص
ramadan

 

فرض الله الصيام مثل بقية الشرائع الإسلامية في المدينة بعد الهجرة، فقد كان العهد المكي عهد تأسيس العقائد، وترسيخ أصول التوحيد، ودعائم القيم الإيمانية والأخلاقية، سواء في العقول أو في القلوب، وتطهيرها من رواسب العادات الجاهلية في العقيدة والفكر، والخلق والسلوك.

أما بعد الهجرة، فقد أصبح للمسلمين كيان متميز، فشرعت عندئذ الفرائض، وحددت الحدود، وفصلت الأحكام، وكان منها الصيام.
 

فلم يشرع في مكة إلا الصلوات الخمس، لما لها من أهمية خاصة، وكان ذلك في ليلة الإسراء ، في السنة العاشرة من البعثة، وبعد ذلك بخمس سنوات أو أكثر فرض الصيام، أي في السنة الثانية من الهجرة، وهي نفس السنة التي فرض فيها الجهاد، وقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم وقد صام تسعة رمضانات.
 

يقول ابن القيم في (زاد المعاد): (لما كان فطم النفوس عن مألوفاتها، وشهواتها، من أشق الأمور وأصعبها، فقد تأخر فرض الصوم إلى وسط الإسلام بعد الهجرة، لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة، وألفت أوامر القرآن فنقلت إليه بالتدريج).


شرع الصيام على مرحلتين

 

 

المرحلة الأولى : هي مرحلة التخيير : أي التخيير بين الصوم وهو أفضل، والإفطار مع فدية إطعام مسكين. فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وفدى.


وذلك كما جاء في قوله تعالى :


( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ _أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ).

 

المرحلة الثانية : هي مرحلة الالتزام :

 

أي الإلزام بالصوم وفي ذلك نزل قوله تعالي :
 

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهُ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة :185).

 
وفي هذه المرحلة الإلزامية جاء التشريع على مرحلتين أيضا:

المرحلة الأولى: التشديد

 
كان الصائم يأكل ويشرب ويباشر زوجته ما لم ينم أو يصل العشاء، فإن نام وصلى العشاء لم يجز لهم شئ من ذلك حتى الليلة التالية.


وقد وقع لرجل من الأنصار أنه كان يعمل طوال يومه، فلما حضر وقت الإفطار انطلقت أمراته لتطلب له الطعام، فلما حضرت وجدته قد غلبته عينه من الجهد ونام دون أن يتناول طعاماً، وعندما انتصف النهار في اليوم الثاني غشى عليه من شدة المشقة وقلة الطعام.

وكذلك روى أن بعض الصحابة (وقيل منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه )، قد أصابوا من نسائهم بعد ما ناموا، أو نامت نساؤهم، وشق عليهم ذلك، وشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله الآية الكريمة التي تمثل الجزء الثاني من المرحلة الثانية والتي استقر عليها أمر الصيام إلى وقتنا هذا.


المرحلة الثانية: تخفيف ورحمة
 

يقول الله تعالى ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (البقرة :187).

اضافة تعليق