رمضان فرحة

السبت، 19 مايو 2018 11:01 ص
أهلًا رمضان

 
رمضان فرحة.. لاشك أنها ليست مجرد حكمة أو كلمة تقال لتصف الشهر الفضيل، وإنما هي حالة يعيشها كل الناس طوال أيام الشهر، فلما لا نتعلم منه ونأخذ هذه البهجة كمسار لحياتنا طوال العام؟.. فالفرح والسرور والبهجة، حالة وِجدانية وغريزة شعوريَّة، وهي مبعث أُنْس وراحة، ودليل صحة وسلامة، وسبب ألفة ومحبة، ووسيلةُ دعوة وتأثير، وهو رد فعل طبيعي يعيشه الإنسان عندما يواجه أسبابه تمامًا، كما يعيش الحزن والألم عندما يواجه عوامله؛ ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ﴾ [النجم: 43].
 
وقد جاءت الرسالات السماوية لتَلبيَةِ الاحتياجات الفطرية، وتهذيب الانفعالات الذاتية، وتوجيه النوازع النفسية؛ ((فتبسُّمُك في وجْه أخيك صَدَقةٌ)).
 
والمتأمِّل في الواقع النبوي يُشاهد مظاهرَ الفرح وصورَ البهجة حاضرةً في الأحاديث القولية والحوادث اليومية، والتقريرات الواقعية التي تضمَّنت المصطلحات والمرادفات واللوازم والمقتضيات لمفهوم الفرح؛ كـ"السرور، والبهجة، والضحك، والتبسُّم، واللعب، والمِزاح، والمداعبة، والطلاقة، والحب، والملاطفة...".
 
وبعد العهد النبوي تأثَّر الرعيلُ الأول بعد الفتوحات الإسلامية والتوسُّع البلداني، والاختلاط الشُّعُوبي بالأفكار الوافدة - وخاصة الفكر اليوناني والديانات الشرقية - التي كان لها أعظمُ الأثر في كَبْت النوازع الإنسانية، وقَمْعِ الرَّغبات الذاتية، وتحجيم الشهوات الغريزية، وقد صاحبَها التوظيف القاصرُ والتعامُل المفرطُ مع بعض نصوص الزُّهْد والوَرَع؛ فنشأت أجيالٌ وتوالَت أُمَمٌ لا تَعرِفُ من الحياة إلَّا معاني الحزن والألم، والعُزْلة والانفراد والتبتُّل والانقطاع، حتى في الأعياد الشرعية أو المناسبات الاجتماعية.
 
أما في العصر الحديث والواقع المعاصر، ومع التوسُّع المعلوماتي والحَراك الثقافي والانفتاح الفكري، تعدَّدت الآراء وتباينت التوجُّهات حول مفهوم الفرح وضوابطه؛ فهناك رأيٌ اتَّخذ من الفرح والسرور مجالًا للتجاوزات الأخلاقية والمبالغات الاجتماعية، والمخالفات الشرعية، والرأي الآخر ضيَّق فضاءَ الفرح، وحدَّد سماء الأُنْس في زوايا محدودة، ومجالات معدودة بأقوال اجتهادية أو خلافيَّة، والرأي الأصح والتوجُّه الأصْوَبُ يكون بالتأسِّي والاقتداء والاتِّباع، والاهتداء بهَدْي خيرِ البريَّة عليه الصلاة والسلام في مُجمل تعامُلاته وعامَّةِ تصرُّفاته التي تُمثِّل منهجَ حياةٍ وطريقَ هدايةٍ، وسبيلَ نجاةٍ، وأسلوبَ معاملةٍ، ووسيلةَ تعايُشٍ وتعاطٍ، ونَمطَ تكيُّفٍ وتَماهٍ، مع مشاعر النفس ومُؤثِّرات الحياة، وتفاعُلات الوجود، ومُتغيرات الكون.
 
لكن الضرورة العقلية والفطرة السويَّة والنصوص الدينية، تُجيز للفرد وتُبيح للإنسان الفرحَ والسرور واللهو واللعب، والبشاشة والضحك، وَفْقَ الضوابط الشرعية، والقِيم الدينية والمبادئ الخُلُقية، دون إفراطٍ ولا تفريطٍ، ولا تشدُّد ولا تساهُلٍ.
 
فعن عمر رضي الله عنه قال: "قلت: يا رسول الله، إني دخلتُ المسجد، والمسلمون يَنكُتُون بالحَصَى، يقولون: طلَّق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نساءه، أفأَنْزِلُ فأُخْبِرهم أنك لم تُطلِّقْهُنَّ؟ قال: ((نعم، إنْ شِئتَ))، فلم أَزَلْ أُحدِّثه حتى تَحسَّر الغضبُ عن وجهه، وحتى كَشَرَ فضَحِكَ، وكان مِن أحسنِ الناس ثَغْرًا"؛ رواه مسلم.
 
"وضحِك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدَتْ نواجِذُه"، ورَد ذلك عن عددٍ من الصحابة في أحاديثَ كثيرة ومواقفَ عديدة، والنواجذ: أقصى الأضراس في آخر الفم.
 
وقالت عائشة: "رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يَستُرني وأنا أنظُر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، فزَجَرهم عمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((دَعْهُم أَمْنًا بني أرْفِدَةَ))؛ يعني: من الأمْن؛ رواه البخاري.

اضافة تعليق