إصلاح النفس.. مقدّم على الصلاة.. وإليك الدليل

الأربعاء، 16 مايو 2018 09:52 ص
إصلاح النفوس

 
كلُّ إنسان منَّا يسعى إلى إصلاح نفسه وتَغْييرها، والبعض يَيْئَسُ منها، ويظن أنَّ الإصلاح أمرٌ محال، لن يَصِل إليه، تقول عائشة رضي الله تعالى عنها: " كان أول ما أنزل من القرآن الكلام عن الجنة والنار والإيمان بالله تعالى حتى إذا استقر الإيمان في النفوس نزلت بعد ذلك الشرائع".
 
نزل بعد ذلك الأمر في الجهاد في سبيل الله، والأمر ببذل النفس والمال وترك الولد والحياة لنُصرة دين الله تعالى، نزل بعد ذلك وجوب الصلاة، نزل بعد ذلك وجوب الصوم، ووجوب الإنفاق في سبيل الله، والزكاة، ووجوب الحج..
 
قالت: "ولو كان أول ما أُنزل الشرائع لكان أكثر الناس لا يطيع"، أو كما قالت رضي الله تعالى عنها.
 
إن ربنا جل في علاه لما بعث نبينا صلى الله عليه وآله وسلم كان ربنا سبحانه وتعالى قادرًا أن يبعث معه ملائكة يُلزِمُون الناسَ بالإيمان بالله جل وعلا.
 
ولما كان أمية بن خلف يرفع السوط على بلال كان ربنا جل وعلا قادرًا كما أنه قادر اليوم على أن يشل تلك اليد التي تعذب بلالاًولما كان أمية بن خلف يرفع السوط على بلال كان ربنا جل وعلا قادرًا كما أنه قادر اليوم على أن يشل تلك اليد التي تعذب بلالاً، ألم يكن ربنا جل وعلا رحيمًا بسُمية لما طعنها أبو جهل، ألم يكن رحيمًا بزوجها ياسر، ألم يكن ربنا جل وعلا يسمع دعاءهم ويرى دموعهم تجري على خدودهم، ويسمع أناتهم ويرى النبي عليه الصلاة والسلام يمر بهم وهو يصبّرهم، والله ربنا جل قادر سبحانه وتعالى على أن يأمر السماء فتمطر أو يأمر الأرض فتنشق بمن شاء من أولئك الكافرين.
 
ومع ذلك يقول الله جل وعلا لنبينا صلى الله عليه وسلم في تلك الأحوال، ويقول لأبطال الصحابة لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وحمزة وغيرهم من الصحابة الكرام الذين تتشوق نفوسهم إلى القتال إلى إنقاذ بلال بالقوة والعتاد والجهاد وإلى إنقاذ خباب وغيرهم..
 
يقول الله جل وعلا عنهم: (كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) أصلحوا أنفسكم، أصلحوا علاقتكم بربكم، مكّنوا الإيمان في قلوبكم، فإذا تمكن الإيمان في القلب فأصبح جبلاً راسيًا لا يزعزعه أمر ببذل النفس، ولا يزعزعه أمر ببذل المال، ولا يزعزعه أمر بفراق الزوج أو الولد، ولا يزعزعه أمر بأن يصلي أو يتعبد وإن شق ذلك على نفسه..
 
إذا ثبت الإيمان في القلب عندها بعد ذلك تأتي الأوامر ويأتي النصر من رب العالمينإذا ثبت الإيمان في القلب عندها بعد ذلك تأتي الأوامر ويأتي النصر من رب العالمين، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ).
 
(كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) يعني أصلحوا ما بينكم وبين ربكم، وعالجوا قلوبكم حتى تتحمل بعد ذلك قيادة الأمة.
 
ولما انتصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر، وظهر الإسلام، ثم أقبل الكافرون بعد ذلك ليقاتلوا المؤمنين في معركة أُحد وخرج المؤمنون إليهم وهم في نشوة نصر لم يمضِ عليه سنة، فلما رجع المنافقون من الجيش بعدما وصل إلى أحد لم يجد المسلمون في أنفسهم خوفًا ولا رعبًا من الكافرين ولا من قلة عددهم فإنهم قد انتصروا من قبل على قلة عددهم وضعف عدتهم، وها هم اليوم يأتون مستعدين فإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يرتب أصحابه في أول المعركة، ويأمر بعض أصحابه بأن يصعدوا على جبل الرماة، يأمر سبعين صحابي ويقول لهم: «إن رأيتمونا انتصرنا فلا تنزلوا إلينا حتى يأتيكم الأمر مني، وإن رأيتمونا هزمنا فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا تتخطفنا الطير فلا تنزلوا إلينا أبدًا» مكانكم هنا، لا تتحركوا أبدًا حتى آمركم أنا بأن تنزلوا أو أن تنصرفوا..
 
فلما ابتدأ القتال ونصر الله تعالى المؤمنين في أوائل المعركة كما قال بعض الصحابة: "والله ما لبث الكافرين بين أيدينا بقدر فواق ناقة" يعني بقدر الزمن الذي بين حلبتين للناقة أو بمقدار الوقت الذي تحلب فيه الناقة.. "ما لبثوا بين أيدينا بقدر فواق ناقة حتى انهزموا بيننا"، والأمر كما قال الله جل وعلا: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ) الله وعدكم بأن ينصر دينه، وعدكم أن يمكّن الدين، أخبركم بأنه يحب المؤمنين ويبغض الكافرين.
 
(وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ) إذ تقتلون الكافرين بإذن الله وبتأييده لكم ونصره لكم وإحسانه إليكم (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ)، ثم بيّن الله جل وعلا سبب الهزيمة التي وقعت، سبب القتل والاستشهاد الذي وقع لسبعين صحابيًّا، سبب الجروح التي أصابتكم أيها الصحابة، أكثر من 150 صحابي رجعوا جرحى، منهم من قُطع أصبعه، منهم من ينزف دمعه، وعلى رأسهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع وقد كُسرت رباعية أسنانه، ففمه ينزف دمًا، وخده المبارك ينزف دمًا، وركبته تنزف دمًا، ورأسه المبارك قد شج فهو ينزف دمًا.
 
فبين الله تعالى أن هذا الذي وقع هو من عند أنفسكم لما خالف أولئك الرماة ونزلوا من غير إذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمفبين الله تعالى أن هذا الذي وقع هو من عند أنفسكم لما خالف أولئك الرماة ونزلوا من غير إذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونزلوا فالتف الكفار وصعدوا الجبل، وجعلوا يرمون المؤمنون وارتد الكافرون المنهزمين إلى المؤمنين، فصار المسلمون بجيشهم كالذي وُضع بين فكي كماشة، عدو من ورائهم ومن فوقهم يرميهم وعدو من أمامهم..
 
فقال الله جل وعلا شارحًا ذلك وهو يبين النصر الذي جاء في البداية: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ..)
 
إنما كانت هذه الهزيمة وهذا القتل وهذه الجراح كانت تأديبًا للمؤمنين وإصلاحًا لنفوسهم حتى تعلموا أن طاعتكم لله وتعبدكم لله، وأن ابتغاءكم وجه الله هو سبب النصر الذي ينزل عليكم، إن خالط ذلك دنيا محبة لغنائم أو إقبال على هذه الغنائم أو رغبة فيها، أو رغبة في أن تنتصروا فقط لأجل غنيمة دون أن يقع في القلب محبة نصر الله تعالى، فإن الهزيمة تكون هي مآلكم وهي جزاؤكم..
 
كما بين الله جل وعلا ذلك فقال سبحانه وتعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ) يعني هزمتم وقتل منكم سبعون (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا) يعني قد أُصبتم في بدر مثليها قتلكم سبعين وأسرتم سبعين (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ..) أنتم الذين قصرتم في علاج أنفسكم وفي التعامل معها.
 
ومن الواجب على كل مسلم أن يهتم بسلامة قلبه، ولاسيما عندما تشرئب الفتن، وتكثر البدع ويعظم الجهل بدين الله تعالى، والله جلّ وعلا يقول: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ [الحج: 78]، وحقيق بكل مسلم عباد الله أن يأخذ بنفسه إلى أسباب سعادتها وسلامتها وصلاحها في الدنيا والآخرة، فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

اضافة تعليق