هكذا تعامل النبي مع ذوي الاحتياجات الخاصة

الثلاثاء، 15 مايو 2018 09:56 ص
هؤلاء من عاتب الله رسوله فيهم فأين نحن من ذلك


منذ أن ظهر الإسلام وأخذ ينادي بحقوق الإنسان وخاصّة ذوي الاحتياجات الخاصّة منهم، حيث أعطاهم حقوقَهم كاملة، وجعلهم يعيشون في المجتمع كأفراد ناجحين ومتفوّقين، كما أنّ البعض منهم تفوق ووصل لكونه صار قصة نجاح يحتذى بها أمام الجميع.

 
وبمقتضى العقيدة الإسلامية ينبغي استقبال صاحب الاحتياجات الخاصة على أنه قدر الله عز وجل المكتوب في الأزل لا رادّ له إلا هو، قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ (157) (البقرة:155-157).

 
ولعل قصة عبد الله بن أم مكتوم – رضي الله عنه - مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - شاهداً يعطي صورة عناية الإسلام بذوي الاحتياجات الخاصة لمسة جمالية فريدة، فقد جاء الرجل الأعمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسأله، وكان النبي في ذلك الوقت مشغولا بدعوة كبار القوم من قريش إلى الإسلام، فلم يلتفت إليه، وتغير وجهه صلى الله عليه وسلم، ورغم أنه أعمى لم ير وجه النبي صلى الله عليه وسلم وملامحه تلك اللحظة إلا أن الله عاتب نبيه صلى الله عليه وسلم في قوله: ( عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى) سورة عبس: الآيات 1 – 5.

 
ففي هذه القصة، نرى علّة المعاتبة؛ لكونه صلى الله عليه وسلم انشغل بدعوة الوجهاء عن قضاء حاجة هذا الكفيف، وكان الأولى أن تُقضى حاجته، وتقدم على حاجات من سواه من الناس.. وفي هذه القصة دلالة شرعية على تقديم حاجات ذوي الاحتياجات الخاصة على حاجات من سواهم.

 
لقد وضع الإسلام عن ذوي الاحتياجات الخاصة كثيراً من التكاليف، وخفف عنهم في أخرى؛ كما دلت على ذلك أحكام كثيرة وشواهد عديدة كسبـب نزول قوله تعالى: غير أولي الضرر (النساء:95)، فقد أخرج البخـاري في صحيحـه عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، رضي الله عنه، أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمْلَى عَلَيْهِ: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر قَالَ: فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُـومٍ وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ، وَكَانَ رَجُلاً أَعْمَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم "غير أولي الضرر".

 
لكن مـع هـذا فإنه يقبـل ما يصـدر من ذوي الاحتياجات الخاصة إذا بذل ما يفـوق جهـده تحدياً للإعاقة، وقـد ضرب لنا الصحابي الجليل عمرو بن الجموح، رضي الله عنه، المثل الأعلى في هذا المعنى.

أَتَى عَمْـرُو بْنُ الْجَمُـوحِ، رضي الله عنه، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُـولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أُقْتَلَ أَمْشِي بِرِجْلِي هَـذِهِ صَحِيحَةً فِي الْجَنَّةِ؟ -وَكَانَتْ رِجْلُهُ عَرْجَاءَ- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : نَعَمْ، فَقُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ: هُوَ وَابْنُ أَخِيهِ وَمَوْلًى لَهُمْ، فَمَرَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكَ تَمْشِي بِرِجْلِكَ هَذِهِ صَحِيحَةً فِي الْجَنَّةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِهِمَا وَبِمَوْلاهُمَا فَجُعِلُوا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، فصرف طاقته الزائدة هنا يتحـول إلى رصيـد اجتمـاعي في إنجازات المجتمع الحضارية، خاصة إذا ارتبط الإنجاز بمعاني البطولة في سبيل الله.


وفي الوقت الذي يعتقد فيه الناس أن هذه الفئة الاجتماعية هي التي في حاجة للفئات الاجتماعية السوية، تأتي مبادئ الإسلام الخلقية السامية لتجعل المجتمع برمته هو الذي في أشد الحاجة للفئة الضعيفة فيه أثناء أصعب الفترات والظروف التي يمكن أن يمر بها، بل هو مـدين لهـا حتى في استمرار وجوده؛ فعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، رضي الله عنه، قَالَ: رَأَى سَعْدٌ، رَضِي اللَّه عَنْه، أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلا بِضُعَفَائِكُمْ»( )؛ فالضعفاء -بهذا- هم سبب استمرار الوجود المادي للمجتمع وسر قوته ومنعته وعزته في التصور الإسلامي، وبالتالي تصبح رعاية ومعاملة هذه الفئة -كسائر الضعفاء- قاعدة ذهبية وغاية اجتماعية يجند المجتمع برمته لتحقيقها، فترتفع معنويات ذوي الاحتياجات الخاصة، ويشعرون بمكانتهم المميزة في مجتمعهم.


قد وصف الله تعالى رسالة خاتم أنبيائه بقوله: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، فكان صلى الله عليه وسلم رحمة للضعفاء والمحتاجين كما كان رحمة للأقوياء الأسوياء الأصحاء، ورحمة لذوي الاحتياجات الخاصة بالذات.. فهاهو يجيب دعوة عتبان بن مالك الأنصاري – رضي الله عنه - وكان ضرير البصر والذي دعاه ليصلي في بيته؛ ليتخذه مصلّى يصلي فيه، قال عتبان: وددتُ يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى.. فوعده صلى الله عليه وسلم بزيارة وصلاة في بيته.. قال عتبان: فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذنتُ له، فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ"، فأشرتُ له إلى ناحية من البيت، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكبر فقمنا، فصفنا، فصلى ركعتين، ثم سلم. رواه البخاري ومسلم.

 
وصورة أخرى لعناية نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام بذوي الاحتياجات الخاصة تزيد المشهد جمالا تدلل على عظمة هذا الدين ورحمته بالناس، فعن أنس رضي الله عنه أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة! فَقَالَ: "يَا أُمّ فُلاَنٍ! انظري أَيّ السّكَكِ شِئْتِ، حَتّىَ أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ"، فخلا معها في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها.رواه مسلم.

ومن عناية الإسلام بهم حثه المجتمع بالتأدب معهم بآداب الإسلام التي تزرع المحبة والود، وتقطع أسباب الشحناء والحزن ، ومن ذلك، قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11]

كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الكِبْر بطر الحق وغَمْط الناس"رواه مسلم .."وغمط الناس": احتقارهم والاستخفاف بهم، وهذا حرام، فإنه قد يكون المبتلى أعظم قدرًا عند الله، أو أكبر فضلاً على الناس، علمًا وجهادًا، وتقوى وعفة وأدبًا.. ناهيك عن القاعدة النبوية العامة، الفاصلة: "فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ"رواه البخاري.

ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أشد التحذير، من تضليل الكفيف عن طريقه، أو إيذائه، عبثا وسخرية، فقال: " مَلْعُونٌ مَنْ كَمَهَ أَعْمَى عَنْ طَرِيقٍ "رواه أحمد، فهذا وعيد شديد لمن اتخذ العيوب الخلقية سببًا للتندر أو التلهي أو السخرية، أو التقليل من شأن أصحابها، فصاحب الإعاقة ماهو إلا إنسان امتحنه الله؛ ليكون فينا واعظًا، وشاهدًا على قدرة الله، لا أن نجعله مادة للتلهي أو التسلي.

اضافة تعليق