تريد أن تصاحب النبي في أعلى الجنة؟.. عليك بهذا

الإثنين، 14 مايو 2018 02:25 م
حسن الخلق

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت لأتممَ مكارم الأخلاق». فكأن مكارمَ الأخلاق بناء شيَّده الأنبياء، وبُعث النبي صلى الله عليه وسلم ليتم هذا البناء، فيكتمل صرح مكارم الأخلاق ببِعثته صلى الله عليه وسلم.

والخُلق الحسَن نوع من الهداية، يحصل عليه المرء بالمجاهدة؛ قال عز وجل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]. بل إن تبسُّم الرجل في وجه أخيه المسلم صدقةٌ يثاب عليها؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تَبَسُّمُكَ في وَجْهِ أخيك لك صَدَقَةٌ» (رواه الترمذي).

والأخلاق أهم عنصر في تكوين الفرد المثالي والأسرة السليمة، ومن أجل ذلك حرص الإسلام أشد الحرص على تهذيب المجتمع، فالأخلاق الفاضلة هي التي تعصم هذه المجتمعات من الانحلال وتصون الحضارة والمدنية من الضياع ومن دونها لا تنهض الأمم ولا تقوى إلا بها.

وحسن الخلق دعوة اشترك فيها جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهذه دعوة موسى إلى قومه بحسن الخلق وقول الحسنى قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً }البقرة83، بل أن رب العزة جعل الأخلاق ميثاقا يربط بين جميع الأمم مع اختلاف طبقاتها وهوياتها برباط واحدا وهو التقوى، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } (الحجرات13 ).

وعن أبي نضرة قال: سمعت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق فقال: (( يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى )) ( أحمد، الحديث رقم 23536).

ولم يعُدِ الإسلام الخلق سلوكًا مجرَّدًا، بل عده عبادةً يؤجر عليها الإنسان، ومجالاً للتنافس بين العباد؛ فقد جعله النبيُّ صلى الله عليه وسلم أساس الخيرية والتفاضل يوم القيامة، فقال: «إن أحبَّكم إليَّ، وأقربَكم مني في الآخرة مجلسًا، أحاسنُكم أخلاقًا، وإن أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم مني في الآخرة أسوَؤُكم أخلاقًا، الثَّرثارون المُتفَيْهِقون المُتشدِّقون» (السلسلة الصحيحة: 2/379).

وكذلك جعَل أجر حُسن الخُلق ثقيلاً في الميزان، بل لا شيء أثقلُ منه، فقال: «ما من شيءِ أثقلَ في الميزان مِن حُسن الخُلق» (صحيح أبي داوود: 4799).
وأيضًا جعل كذلك أجر حُسن الخُلق كأجر العبادات الأساسية، من صيام وقيام، فقال: «إن المؤمنَ لَيُدركُ بحُسن خلقه درجةَ الصائمِ القائم» (صحيح الترغيب: 2643)، بل بلَغ من تعظيم الشارع لحُسن الخُلق أن جعله وسيلة من وسائل دخول الجنة؛ فقد سُئل صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يُدخِل الناسَ الجنَّةَ؟ فقال: «تقوى اللهِ وحُسن الخُلق» (صحيح الترمذي)، وفي حديث آخر ضمِن لصاحب الخلق دخول الجنة، بل أعلى درجاتها، فقال: «أنا زعيمٌ ببيت في ربَضِ أطراف الجنَّةِ لِمَن ترَك المِراءَ وإن كان محقًّا، وببيتٍ في وسَط الجنة لِمَن ترَك الكذبَ وإن كان مازحًا، وببيتٍ في أعلى الجنَّة لمن حسُن خلُقه» (صحيح أبي داوود).

والمتتبع لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، سيجد أن خلقه قبل البعثة كان مضرب المثل بين قريش، حتى لقبوه بالصادق الأمين، بل أنه كان صلى الله عليه وسلم يأتمنه الناس دونا عن بقية كبار القوم، على أموالهم وأعراضهم، لذلك لما جاءته الرسالة لم يستطع أحد منهم أن ينكر عليه حسن خلقه بل كان الاختلاف حول بعثته فقط أن بني هاشم يخرج منهم نبي دون بقية قريش.

ويروى أنه عندما تم أسر السيدة صفية بنت حيي وهي ابنة كبير اليهود حيي بن أخطب، أعتقها النبي وتزوجها، فتبعه الصحابة وأعتقوا بقية أهلها جميعهم فكان سببا في دخولهم الإسلام، وأيضًا حينما أسُر الكثير من بني سعد وهم قوم مرضعة النبي السيدة حليمة السعدية، قالوا له نحن أخوالك فاعتقهم فكان سببا في دخولهم جميعا الإسلام.

والمواقف الدالة على حسن خلق النبي كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: إن رجلا أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف، فاستيقظت وهو قائم على رأسي، فلم أشعر إلا والسيف صلتا في يده، فقال لي: من يمنعك مني؟، قال: قلتُ: الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟، قال: قلت: الله، فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: من يمنعك مني؟، فقال الأعرابي: كن كخير آخذ، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أتشهد أن لا إله إلا الله؟، قال: لا، ولكني أعاهدُك أن لا أقاتِلَكَ، ولا أكونَ مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فذهب إلى أصحابه، فقال: قد جئتُكم من عندِ خير الناس). وذكر الواقدي أنه أسلم ورجع إلى قومه فاهتدى به خلق كثير .

ويروى أنه جَاءَ أَعْرَابِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَعْطِنِي، فَإِنَّكَ لَا تُعْطِي مِنْ مَالِكِ وَلَا مِنْ مَالِ أَبِيكَ، وَأَغْلَظَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَثَبَ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: يَا عَدُوَّ اللَّهِ تَقُولُ هَذَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ: «عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ لَمَّا أَمْسَكْتُمْ» . فَدَعَاهُ فَدَخَلَ بَيْتَهُ فَأَعْطَاهُ فَقَالَ: «أَرَضِيتَ؟» قَالَ: لَا، ثُمَّ أَعْطَاهُ أَيْضًا، فَقَالَ: «أَرَضِيتَ؟» قَالَ: لَا، ثُمَّ أَعْطَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: «أَرَضِيتَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاخْرُجْ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ قَدْ رَضِيتَ؛ فَإِنَّ فِي قُلُوبِهِمْ عَلَيْكَ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَتَدْرُونَ مَا مَثَلِي وَمَثَلُ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ؟، مَثَلُ رَجُلٍ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، مَعَهُ زَادُهُ وَرَاحِلَتُهُ فَنَفَرَتْ رَاحِلَتُهُ فَاتَّبَعَهَا النَّاسُ، فَمَا زَادُوهَا إِلَّا نُفُورًا، فَقَالَ: دَعُونِي فَإِنِّي أَعْلَمُ بِنَاقَتِي مِنْكُمْ، فَعَمَدَ إِلَى قُمَامِ الْأَرْضِ - يَعْنِي الْحَشِيشَ - فَجَعَلَ يَقُولُ لَهَا: هُوِّي هُوِّي، حَتَّى رَجَعَتْ، فَأَنَاخَهَا فَحَمَلَ عَلَيْهَا زَادَهُ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى مَتْنِهَا، فَلَوْ تَرَكْتُكُمْ حِينَ قَالَ مَا قَالَ فَقَتَلْتُمُوهُ، دَخَلَ النَّارَ فَمَا زِلْتُ حَتَّى فَعَلْتُ مَا فَعَلْتُ وَقَالَ مَا قَالَ".

وعن إسحاق بن عبد الله، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم «أمر له بعطاء».

بهذه الأخلاق الحسنة وحسن التعامل انتشر الإسلام، وبلغ مشارق الأرض ومغاربها وسادت حضارة الإسلام وتعاليمه بين كل الأمم، قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }النحل125.

اضافة تعليق